هارمونيا الوجود… استقصاء في ظاهرة اجتذاب الشخصيات المقدسة للحيوان-من الأسطورة إلى المنهج العلمي

تبتدئ هذه المقالة بطرح التساؤل الجوهري: لماذا تكسر الحيوانات غريزة “الهرب” (Flight Response) الفطرية أمام شخوص معينة؟ هذه الظاهرة ليست مجرد حوادث عارضة، بل هي “نمط متكرر” يتحدى التفسير المادي البسيط. فبينما يمثل البشر تاريخياً مصدر خطر للحيوان، نجد أن بعض الشخصيات التاريخية تحولت إلى “نقاط جذب” آمنة، حيث تسكن الوحوش وتأتمر الطيور بأمر هذه الشخصيات.
وفيما يلي جرد تاريخي (كرونولوجي) لبعض أشهر هذه الشخصيات التي تميزت بقدرتها على اجتذاب الحيوانات إليها:
1. بوذا (القرن السادس ق.م): حيث وردت في سيرة هذه الشخصية العجائبية قصصٌ من مثل الفيل “نالاغيري” الذي كان هائجاً وسكن بمجرد اقترابه من بوذا، وقصص القردة والحيوانات في غابات “جيتانا”.
2. الإمام علي الرضا (القرن الثامن/التاسع الميلادي): لعل أشهر القصص في هذا الشأن هي تلك المتعلقة باللقب الذي أُطلق على هذا الامام الجليل “يا ضامن آهو” (ضامن الغزالة)، وكيف وثقت المرويات التاريخية والشعبية لجوء الحيوانات إليه طلباً للأمان، وهي حادثة متجذرة في الوجدان الجمعي وموثقة في الأدبيات التاريخية لتلك الحقبة.
3. القديس فرانسيس الأسيزي (القرن الثالث عشر الميلادي): حادثة “ذئب غوبيو” الذي كفّ عن افتراس الناس وأصبح رفيقاً لهذا القديس. هذا، إضافة إلى “عِظة الطيور” الشهيرة، حيث تشير المصادر إلى أن الطيور كانت تصطف لسماع موعظته ولا تطير إلا بإذنه.
يتبين لنا مما تقدم أن تكرار الظاهرة في بيئات جغرافية معزولة عن بعضها (الهند، خراسان، إيطاليا) وفي أزمنة متباعدة، وبنفس الخصائص السلوكية للحيوان، يقلل من احتمالية أن تكون محض خيال أدبي أو “تواتر أسطوري” موحد، بل يشير إلى وجود تفاعل موضوعي حدث بالفعل.

تدعو هذه المقالة الباحثين إلى دراسة عدة فرضيات:
• فرضية البيوفيليا(Biophilia): هل تمتلك هذه الشخصيات مستوى من السكينة الداخلية يؤثر على “المجال الكهرومغناطيسي” أو الرائحة (الفيرومونات) بما يبدد غريزة الخوف لدى الحيوان؟
• التواصل غير اللفظي: دراسة لغة الجسد والذبذبات الصوتية التي قد تكون مفتاحاً لفهم هذا الانجذاب.
• الوعي الموحد: طرح تساؤلات حول ما إذا كان هناك “وعي مشترك” يربط الكائنات الحية، يظهر بوضوح عند الشخصيات التي وصلت إلى مرحلة عالية من التسامي الروحي.
إن هذه المقالة ليست دعوة الى اثبات “المعجزات” بقدر ما هي دعوة لفتح مختبرات علم السلوك الحيواني وعلم النفس التطورى أمام هذه الظواهر. إن “استعصاء التفسير” حالياً لا يعني استحالته مستقبلاً، بل يعني الحاجة إلى أدوات بحثية أكثر حساسية وتجرداً.

أضف تعليق