إشكالية التشبيه والتنزيه… قراءة مقارنة في مفهوم “صورة الله” بين العهد القديم والقرآن الكريم

تقوم العقائد التوحيدية على فكرة “المفارقة” بين الخالق والمخلوق، إلا أن النصوص الدينية تفاوتت في التعبير عن هذه العلاقة. فبينما يقرر العهد القديم في سفر التكوين أن الإنسان خُلق “على صورة الله”، يضع القرآن الكريم قاعدة مطلقة في التنزيه متمثلة في قوله: “ليس كمثله شيء” . تسعى هذه المقالة إلى استكشاف أسباب التباين بين النصين، وكيف أدى التصور “الأنثروبومورفي” (التجسيدي) في العهد القديم إلى فتح الباب أمام تمثلات فيها شيء من الميثولوجيا الوثنية.
ينص سفر التكوين (1:26) على: “وقال الله نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا”. هذا النص، رغم تأويله روحياً من قبل بعض اللاهوتيين، إلا أنه أوجد مأزقاً يتعلق بتصور الذات الإلهية؛ إذ جعل “آدم” هو المرجعية البصرية أو الصفاتية لفهم الخالق. إذ بدلاً من أن يكون النص وسيلة لتعميم مفهوم الرب كقوة مطلقة متعالية، حصر الذهنية البشرية في إطار “التشخيص”، مما يقرب التصور الإلهي من النماذج البشرية. هذا التصور لم ينجح في قطع الصلة تماماً مع الموروثات التي تجسد الآلهة في أشكال مادية، بل جعل الفارق بين الخالق والمخلوق فارقاً في “الدرجة” لا في “النوع”.
في المقابل، قدم القرآن الكريم رؤية جذرية في مخالفتها للمادة. فآدم في التصور الإسلامي مخلوق مكرّم، نُفخ فيه من روح الله، لكنه لا يشبهه في “صورة” أو “هيئة”. فقانون “ليس كمثله شيء” أطاح بأي إمكانية للمضاهاة الحسية. وهذا التنزيه يهدف إلى حماية مفهوم التوحيد من “الوثنية الخفية”، وهي تصوير الرب في شكل إنسان، وهو ما يكرس المفهوم الأسمى للرب كغيب مطلق لا تدركه الأبصار.
وبالعودة الى العهد القديم، فإن مفهوم “خلق الإنسان على صورة الله” لا يبدو متسقاً مع نصوص أخرى في العهد القديم نفسه تنحو منحى تنزيهياً وفلسفياً عميقاً. ولنأخذ مثالاً على ذلك سفر الجامعة. هذا السفر الذي يشدد على محدودية الإنسان وعدم قدرته على إدراك مقاصد الخالق، ويؤكد على الفجوة العظيمة بين “البشري” و “الإلهي”. وهو الأمر ذاته الذي نجده في سفر المزامير؛ حيث تظهر ملامح “التعالي” الإلهي الذي يتجاوز التصورات البشرية الضيقة.
إن هذا التضارب يشير إلى أن فكرة “الصورة” ليست “أصيلة” في سياق التوحيد الخالص، بل هي فكرة “دخيلة” فرضتها ظروف تاريخية وبيئية. إن إرجاع هذا التشبيه (الأنثروبومورفي) إلى جذوره يقودنا مباشرة إلى التأثر بالثقافات المحيطة، وتحديداً الميثولوجيا الإغريقية والرومانية. وهذا يقودنا لامحالة الى افتراض منطقي. فالأساطير الإغريقية قامت على فكرة أن الآلهة هم بشر خارقون بصفات جسدية ونفسية بشرية. ويبدو أن كتابة وصياغة بعض أسفار العهد القديم لم تسلم من “المناخ الثقافي” السائد آنذاك، مما أدى إلى صبغ المفهوم الإلهي بصبغة مادية بشرية تتنافى مع جوهر التوحيد المطلق.
يتبين لنا، وبتدبر كل ما تقدم، أن المقارنة بين “آدم كمخلوق على مثال الرب” في العهد القديم و”الله المنزه” في القرآن تكشف عن فجوة معرفية كبرى. فبينما سقط التصور الأول في فخ التشبيه المتأثر بالوثنيات القديمة، نجح التصور الثاني في ترسيخ توحيد يحرر العقل من القيود المادية، مؤكداً أن أي محاولة لتحديد الخالق بصورة المخلوق هي تراجع عن نقاء الفكرة الإلهية لصالح الأساطير البشرية.

أضف تعليق