لغة السكينة… مقالة في ظاهرة ائتمار الحيوان بأمر “الإنسان الكامل”

في عالم الطبيعة، يُعد “قانون الهرب” غريزة لا تقبل المساومة؛ فالحيوان يبرمج جهازه العصبي على اعتبار البشر مصدراً للخطر. غير أن التاريخ والوجدان الجمعي وثقا استثناءات خارقة لهذا القانون، حيث نجد وحوشاً كاسرة وطيوراً حذرة تنجذب نحو شخصيات دينية معينة، لا بدافع الجوع أو التدجين، بل بنوع من “الاستسلام الطوعي”. تهدف هذه المقالة إلى استقصاء هذه الظاهرة عبر أبعاد مكانية وزمانية متباعدة، لإثبات أنها ليست مجرد “فلكلور” محلي، بل هي “نمط عالمي” يستحق الدراسة العلمية. ولنأخذ بعض التجليات التاريخية لهذه الظاهرة الغريبة. ففي مطلع القرن التاسع الميلادي، وفي أصقاع خراسان، سُجلت واحدة من أكثر القصص رسوخاً في الذاكرة الإسلامية، وهي حادثة الإمام علي الرضا مع الظبية. فالمرويات التاريخية تروي وبأسلوب رصين، أيده شهود عيان ممن لازموا الإمام في رحلته من المدينة إلى مرو، أن ظبية لجأت إليه وهي تلهث من مطاردة صياد. لم يكن المشهد مجرد هروب لحيوان، بل كان “لجوءاً استغاثياً” واعياً. وقف الإمام حائلاً بين الفريسة والصياد، ضامناً عودتها سالمةً الى صغارها، في مشهد مؤثرٍ للغاية. اللافت في هذه الحادثة ليس فقط فعل التوسط، بل سلوك الحيوان الذي بقي في حضرة الإمام بسكينة تامة، وكأن حضور الإمام قد خلق “منطقة عازلة” يغمرها إحساس من الأمان تعطلت فيها غريزة الخوف الفطرية.
إن هذه الحادثة، والتي وثقها الفن الاسلامي تحت مسمى “ضامن آهو”، تمثل ركيزة ذات دلالة على أن الانجذاب الحيواني يرتبط بشخصية تمتلك “هيبةً وسلاماً” تتجاوزان الكلمات.
إن هذه الظاهرة المثيرة تتجاوز حدود الزمان والمكان وذلك بشهادة مما يلي:
ففي العقيدة التاوية (الصين): يتحدث التراث التاوي عن “الحكيم الذي يركب النمر”. فالحكماء الذين وصلوا لدرجة “الو” (Wu-Wei) أو “الفعل بلا فعل”، يُصوَّرون وهم يعيشون وسط النمور والتنانين. فالتاويون يفسيرون ذلك بأن الحكيم فقد “الرغبة في السيطرة”، مما جعل الحيوان لا يرى فيه “عدواً”، بل جزءاً من انسجام الطبيعة (التاو).
ولنأخذ مثالاً آخر، وهذه المرة من جبال الأطلس في المغرب؛ حيث تواترت روايات عديدة أفادت كلها بما كان من أمر أسود هذه الجبال، حيث أنها كانت تحرس خلوات الزهاد. كما ينبغي أن نذكر حكايات “بابا سيلاني” في الهند الذي كان النمر يربض عند قدميه. فهذه الحكايات تذكر بالحقيقة التي مفادها أن “التجرد الحقيقي” عن كل ما يشغل القلب مما يحيد به عن جادة الحق له “ذبذبة” تدركها الحواس الحيوانية المرهفة.
وفي مثال آخر، وهذه المرة من أمريكا الشمالية، حيث أنه ووفقاً لتقاليد شعوبها الأصليين فإن رجال الطب القَبَلي (الشامانات)  Shamansلديهم القدرة على مناداة النسور و ترويض الدببة، وذلك استناداً الى “عهداً قديماً” بين الإنسان والحيوان يُفعَّل عند الأنقياء من البشر.

والآن، يحق لنا أن نطرح السؤال المنطقي التالي: كيف يمكن لقصص من الهند وإيران والولايات المتحدة أن تتطابق في أدق تفاصيل السلوك الحيواني رغم انعدام التواصل بين هذه الثقافات؟ إن الانتشار في الزمان والامتداد في المكان يشيران إلى أننا أمام ظاهرة موضوعية، وليست مجرد خيال أدبي تم اقتباسه، لأن الرمزية الدينية تختلف، لكن “رد فعل الحيوان” يبقى ثابتاً.
ولكن، ما الذي يبصره الحيوان ونعجز نحن عن إبصاره؟ هذا سؤالٌ يوجب علينا أن نلتمس رأي العلم بشأنه. لنتدبر ملياً الفرضيات التالية:
1. الفرميونات (Fermions) والروائح: هل الحالة الذهنية العميقة (السكينة/التأمل) تغير كيمياء الجسم بحيث لا يفرز الإنسان “رائحة الخوف” أو “رائحة العدوان البشري المفرط” التي تستفز الحيوان؟
2. المجالات الكهرومغناطيسية: دراسة أثر الترددات القلبية والدماغية الهادئة على الجهاز الحسي للحيوان.
3. نظرية البيوفيليا (Biophilia): الانتماء الفطري للحياة، حيث ينجذب الحيوان للكائن الذي يمثل “الحياة في أسمى صور تجليها المفعم بالسكينة والسلام الداخلي”.
إن هذه المقالة تسعى لاستفزاز المنهج العلمي لدراسة “طاقة السكينة”. فالحيوانات هي “مجسات” دقيقة جداً، واقترابها من هؤلاء الرجال الصالحين هو تذكير لنا بتجلي من تجليات الوجود الإنساني فقدناه في زحام الهوس بالماديات.

أضف تعليق