
لمصرَ حضورٌ في سيرةِ نبييَن من أنبياء الله هما يوسف وموسى. غير أنَّ هذا الحضور تميزَ بحدوثِ وقائعَ وأحداث جعلت من سيرتَيهما تلتقيان في مفرداتٍ منهما عديدة. ومن هذه “التقاطعات القدرية” ما بوسعنا أن نتبيَّنه بتدبُّرِ الآياتِ الكريمةِ التالية:
• (وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ. فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ) (30- 31 يوسف).
• (إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى. أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) (38- 39 طه).
فاللهُ تعالى ألقى على النبي يوسف “شيئاً ما” من لدنه جعل كلَّ مَن ينظر إليه من النساء لا تملكُ من أمرِها شيئاً وتُذهَل، فإن طال بها المُقام على مقربةٍ منه أصبح حالُها لا يختلف في شيء عن حالِ امرأةِ العزيز التي قال فيها “نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ”: “قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا”. فهذا الذي ألقاه اللهُ تعالى على النبي يوسف هو السببُ من وراءِ انجذابِ امرأةِ العزيز إليه، وهو ذاتُ السبب الذي دفع ملكَ مصر لأن يتخذَ قرارَه بأن يسجنه بضعَ سنين، أما وأنه كان قد رأى ما حلَّ بأولئك النسوة: (ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ) (35 يوسف). فملك مصر كان يخشى أن تعمَّ الفتنةُ حين يتناهى خبرُ ما حدث إلى أسماعِ الناس، وذلك مخافةً منه على يوسف أن ينالَه منهم أذىً أو سوء.
ثم أنَّ مصر كان لها شأنٌ في سيرةِ النبي موسى لا يختلف كثيراً عن ذاك الذي حدث للنبي يوسف من قبل، وذلك حين ألقى اللهُ على النبي موسى “محبةً منه”: (وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي)؛ فلولا تلك “المحبة من الله” لما كان لموسى أن ينجوَ من بطشِ فرعون الطاغية، ولما كان لفرعونَ أن يتخذه ولداً رباه في قصرِه تربيةَ الأمراء: (قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ) (18 الشعراء).
وهنا لابد من التشديدِ على حقيقةٍ لو تمَّ تدبُّرُها كما ينبغي لازددنا إيقاناً بكونِ ما تقدَّم تبيانُه وتفصيلُه هو ما حدث فعلاً. فتتبعُ الأحداث التي أعقبت قرارَ ملك مصر بإبقاءِ النبي يوسف في السجنِ بضعَ سنين، والأحداث التي تلت استواءَ النبي موسى وبلوغَه أشده، كفيلٌ بجعلِنا نتبيَّنُ ذلك. فذاك “الشيء” الذي ألقاه اللهُ على النبي يوسف، قد فارقَه ما أن اتخذ الملكُ قرارَه بأن يُسجنَ بضعَ سنين، أما وأنَّ “الغايةَ الإلهية” قد تحققت بدخولِ يوسف السجن ومكوثِه فيه حتى يحينَ الوقتُ ويُري اللهُ الملكَ رؤياه التي كان تأويلُ النبي يوسف لها هو السببَ من وراء وصولِه خاتمةَ المطاف إلى تبوُّء منصب عزيز مصر.
أما “المحبة” التي ألقاها اللهُ على النبي موسى، فلم يعد هنالك من داعٍ للإبقاءِ عليها أما وأنه قد اضطرَّ، وبقتلِه الرجل الذي ليس من شيعتِه، إلى مفارقةِ فرعون ومغادرةِ مصر.
