هل هناك علاقة بين “كن فيكون” و”التاو”؟

يمثل مفهوم “كن فيكون” جوهر القرآن، وبالتالي الإسلام. فـ “كن فيكون”  هو القدرة الإلهية في أقصى تجلياتها؛ كيف لا وهو فعل لا يحتاج إلى “زمن” أو “أسباب”؟ فـ “كن فيكون” هو إرادة الله تعالى وقد تجلت على أرض الواقع محققة بذلك مراد الله. في المقابل، تقدم التاوية مفهوم الـ “وو-وي” (Wu Wei) أو “الفعل بلا فعل”. ورغم أن التاوية قد تبدو فلسفة أخلاقية أو سلوكية، إلا أنها في عمقها تصف كيف يعمل “التاو” (الحقيقة المطلقة)؛ فهو ينجز كل شيء دون أن “يفعل” شيئاً بالمعنى المادي الذي يقتضيه قانون السببية.
في الإسلام، نجد أن الخالق لا يعتريه الوهن أو اللغوب {وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ} (38 ق). فالخلق بكلمة “كن” يعكس تنزيه الذات الإلهية عن المشقة المادية. أما في التاوية، فإننا نجد أن المفكر الصيني “لاو تسي” يشبِّه الفعل الكامل بجريان الماء؛ فالماء لا يصارع الصخر بل ينساب من حوله، ومع ذلك يفتِّته. الـ “وو-وي” هو العمل الذي يتم بتناغم تام مع النواميس الكونية بحيث يبدو كأنه لم يحدث بجهد.
نجد في القرآن، أن “كن فيكون” هي الأمر الوجودي الأصيل، وهي ليست صوتاً بحروف مادية بل هي إرادة الله المتجلية خلقاً لحظياً لكل ما يريده الله. أما في “التاوية”، فإن “التاو” الذي بالإمكان الحديث عنه هو ليس التاو الأزلي. فالصمت في “التاوية” يقابل “الكلمة” في التوحيد من حيث أنهما يمثلان “المبدأ الأول” الذي تجلى بأي صيغة يريدها الله.
في “كن فيكون”، هناك استجابة فورية وتلقائية للموجودات لإرادة الحق. أما في التاوية، فإن “تسي ران” (Zi-ran) تعني التلقائية (الآنية المطلقة) أو “ما هو كذلك من تلقاء نفسه”، وهي الثمرة الطبيعية لتطبيق “الفعل بلا فعل”.
وخير ما يبرهن على ما بين القرآن وعقيدة التاو من إيجاز لكيفية تجلي الفعل الإلهي في الوجود ان نقارن بين ما ذهب إليه كل من ابن عربي الذي قال: ” إن العارف قد يصل لمرتبة “كن” بإذن الله، فينفذ فعله بالهمة لا بالجوارح “، وما ذهب إليه (لاو تسي) الذي قال: “الحكيم يفعل بالترك، ويعلِّم بلا كلام”
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن الربط بين “كن فيكون” والـ “وو-وي” يكشف عن رؤية كونية مشتركة ترى أن القوة الحقيقية ليست في الضجيج أو الصراع المادي، بل في نفاذ الحقيقة وسريانها الهادئ في الوجود. فبينما نجد أن الإسلام يضعها في سياق “الأمر الإلهي” المتعالي، نجد أن التاوية تضعها في سياق “القانون الطبيعي” الكلي، لكن الجوهر واحد: الوجود يتحقق بأيسر الطرق عندما يتصل بمصدره الأول.

أضف تعليق