الذكاء الاصطناعي بوصفه محفِّزًا لارتقاء العقل البشري وليس بديلًا عنه

غالبًا ما يُقدَّم الذكاء الاصطناعي في الخطاب المعاصر بوصفه مشروع أتمتة شامل، يسعى إلى إحلال الآلة محل الإنسان في ميادين الحساب والتحليل واتخاذ القرار. غير أن هذا التصور، على الرغم من وجاهته التقنية، يغفل بعدًا أعمق وأكثر خطورة فلسفيًا: الذكاء الاصطناعي ليس مجرد بديل محتمل للعقل البشري، بل يمكن أن يكون أداة استفزاز معرفي تُجبر الإنسان على إعادة هندسة طريقته في التفكير وعلى توسيع قدرته على التقاط المتغيرات الكامنة خلف كل عملية استدلالية معقدة. فبدل أن يُفهَم المشروع باعتباره محاولة لصناعة عقل مستقل، يمكن النظر إليه بوصفه مختبرًا خارجيًا للعقل البشري نفسه، مرآة حسابية عالية الكثافة تعكس حدود الإدراك الإنساني، وتكشف ما كان مخفيًا تحت عتبة الوعي أثناء معالجة المشكلات المركبة. فالعقل البشري، مهما بلغ من تطور، يظل مقيدًا بقيود بايولوجية وزمنية. فسعة الذاكرة العاملة محدودة والانتباه انتقائي والقدرة على تتبع عدد كبير من المتغيرات المتفاعلة في آنٍ واحد تتدهور بسرعة مع ازدياد التعقيد. ولهذا السبب نجد أن الإنسان قد اتجه، وعلى مر التاريخ، إلى النماذج المبسطة والقواعد الحدسية والتفسير الاختزالي. غير أن كثيرًا من الظواهر المعاصرة في الاقتصاد والمناخ والسياسة والطب والأنظمة الاجتماعية، لم تعد تقبل هذا القدر من التبسيط؛ حيث أنها منظومات فائقة التعقيد، يحكمها عدد هائل من المؤثرات المتشابكة (parameters)، التي يتعذر على العقل البشري وحده تتبع تفاعلاتها غير الخطية عبر الزمن. وهنا يتدخل الذكاء الاصطناعي لا ليُقصي الإنسان، بل ليعيد صياغة شروط تفكيره.
ومن هذا المنظور، يعمل الذكاء الاصطناعي بوصفه مُضخِّمًا إدراكيًا (cognitive amplifier) : وهي أنظمة قادرة على استكشاف ملايين الفرضيات ورصد الأنماط الدقيقة واستخراج علاقات سببية محتملة بين متغيرات لم يكن العقل البشري ليلتفت إليها أصلًا. غير أن القيمة الحقيقية لا تكمن في النتيجة النهائية التي تنتجها الخوارزمية فحسب، بل في الطريقة التي تُرغم الإنسان بها على إعادة التفكير وحين يكشف النموذج مسارًا غير متوقَّع ويُبرز عاملًا ثانويًا تبيَّن أنه حاسم وحين يقترح سيناريوهات لم تكن ضمن الأفق الحدسي للمحلل البشري. وبهذا المعنى، لا يقدّم الذكاء الاصطناعي إجابات جاهزة فقط، بل يوسّع خريطة السؤال نفسه، ويُجبر العقل البشري على تجاوز عاداته التفسيرية القديمة.
ولكن الأثر الأكثر عمقًا يظهر عندما يحاول الإنسان محاكاة منطق الآلة:
كيف توصّلت إلى هذه النتيجة؟
ما المتغيرات التي منحتها وزنًا أكبر؟
ما الذي أهملته أنا حين ركّزت على عوامل دون غيرها؟
وفي هذه اللحظة يتحوّل الذكاء الاصطناعي إلى مدرّب معرفي قاسٍ، يفضح تحيزاتنا، ويكشف اختصاراتنا الذهنية، ويُجبرنا على التفكير وفق خرائط متعددة الأبعاد بدل السرديات الخطية المريحة. وهنا لا يعود المشروع تقنيًا فقط، بل يصبح أنثروبولوجيًا، وذلك بتشكيل نمط العقل البشري ذاته ونقله من عقل يفسّر عبر عدد محدود من الأسباب الكبرى إلى عقل يشتغل ضمن شبكات احتمالية كثيفة. فإذا استُثمر الذكاء الاصطناعي بهذا المعنى، فإنه لا يُسرّع تفكير الإنسان فقط، بل يغيّر فلسفته الداخلية: من البحث عن سبب واحد إلى استيعاب تعددية الأسباب، ومن اليقين السريع إلى التفكير الاحتمالي، ومن السرديات المغلقة إلى النماذج الديناميكية (المتفاعلة) المفتوحة، ومن الحدس الفردي إلى التفاعل المستمر بين الإنسان والآلة. وهذا التحول قد يكون من أخطر التحولات في تاريخ العقل البشري؛ وذلك بانتقاله من عقل تشكّل في بيئات بسيطة نسبيًا إلى عقل يعيش داخل محاكيات فائقة التعقيد.
غير أن مشروع الارتقاء هذا يحمل في داخله خطرًا بنيويًا مفاده إذا تحوّل الذكاء الاصطناعي من أداة استفزاز إلى سلطة معرفية نهائية، فإن العقل البشري قد يتراجع بدل أن يتقدم، ويستبدل فعل الفهم بفعل التسليم. والفرق الدقيق هنا هو بين:
• ذكاء اصطناعي يدفع الإنسان إلى التفكير أكثر،
• وذكاء اصطناعي يفكر بدلًا عنه.
فالأول يوسّع المدارك، والثاني قد يصنع نمطًا جديدًا من التبعية المعرفية.
يتبين لنا، وبتدبر كل ما تقدم، أنه ومن هذا المنطلق يمكن النظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه مشروعًا للارتقاء بالعقل البشري عبر الاستفزاز لا الاستبدال، وعبر كشف تعقيد العالم بدل تسطيحه. إنه أداة تُرغم الإنسان على توسيع خريطته الإدراكية، وعلى رؤية ما وراء السطح الظاهر للظواهر، وعلى التعامل مع شبكات كثيفة من المتغيرات التي لم يكن قادرًا على احتوائها سابقًا. فإذا أحسن الإنسان توظيف هذه الأدوات، فقد يكون الذكاء الاصطناعي ليس نهاية عصر العقل، بل بداية طور معرفي جديد، طور يتعلم فيه الإنسان أن يفكر بطريقة أكثر تركيبًا، وأكثر تواضعًا أمام التعقيد، وأكثر قدرة على الإحاطة بعالم لم يعد يُدار بمنطق السبب الواحد ولا بالحساب البسيط.

أضف تعليق