على أي صورة خُلق الإنسان: على صورة الرب أم على صورة الحيوان؟ (2): قراءة ميتابايولوجية في مأزق الكائن الخارج على الطبيعة

لم يكن سؤال: “على أي صورة خُلق الإنسان؟” يومًا مجرّد استفسار ديني تجريدي، بل ظلّ عبر التاريخ أحد أخطر الأسئلة الوجودية التي واجهت الفكر البشري.
هل الإنسان كائنٌ يرتقي فوق الطبيعة، حاملًا أثرًا إلهيًا في بنيته؟ أم أنه ليس سوى استمرارٍ بايولوجي لسلسلة الحيوان، مهما بلغ من تعقيدٍ معرفي ورمزي؟
غير أنّ المقاربة الميتابايولوجية تقترح إعادة صياغة السؤال نفسه؛ إذ ليس الأمر اختيارًا ثنائيًا بسيطًا بين صورتين جاهزتين، بل البحث في ما الذي أصاب صورة الإنسان بعد التحويلة التطورية الكبرى التي أخرجته من اندماجه الطبيعي مع منظومة الحياة، ودفعت به إلى منطقة توتّر دائم بين ما يُفتَرَض أن يكونه، وما أصبح عليه في واقع الحال.
فالميتابايولوجيا تفترض أنّ الإنسان لم يخرج من رحم الطبيعة خروجًا سلسًا ومتدرجًا، بل مرّ بلحظة انعطاف حاسمة، تحويلة عصبية-وجودية، غيّرت علاقة وعيه بالعالم وبذاته. عند هذه اللحظة لم يعد الحيوان العاقل مجرد كائن متكيّف مع بيئته، بل صار كائنًا مأزوماً بالوعي، مثقلاً بالاختيار، محكوماً بالرمز، مطاردًا بالمعنى، وخائفًا من الفناء.
فلقد جعل هذا الانفصال الإنسان غير مكتفٍ بوظيفته البايولوجية وعاجزًا عن الاندماج الكامل في إيقاع الطبيعة وقلقًا إزاء هويته ومصيره وميّالًا لصناعة أنظمة أخلاقية وأساطير كبرى لتعويض اختلاله الداخلي. هنا لا يعود السؤال: هل الإنسان حيوان؟ بل: لماذا لم يعد الإنسان بمقدوره أن يبقى حيوانًا طبيعيًا بالكامل؟
ضمن القراءة الميتابايولوجية، لا تُفهم “الصورة الإلهية” بوصفها تشابهًا مادّيًا أو حتى نفسيًا مباشرًا، بل بوصفها أفقًا وجوديًا يتمثل في القدرة على إدراك القيم وتحمّل المسؤولية وممارسة الاختيار الأخلاقي والوعي بالخير والشر.
غير أنّ هذه القابلية لا تعني تحقق الصورة تلقائيًا. فالتحويلة التطورية نفسها، التي أطلقت طاقات العقل واللغة والتجريد، هي التي كشفت هشاشة الإنسان الأخلاقية. فالإنسان يعرف العدل لكنه يمارس الظلم ويتحدث عن الرحمة ويصنع المجازر ويبني الحضارات ثم يدمرها ويتغنّى بالسمو الروحي ويغرق في الهوس بالاستهلاك والاستغراق في حب السيطرة. ومن هذا المنظور، لم يفشل الإنسان في أن يكون حيوانًا طبيعيًا فحسب، بل فشل أيضًا، على مر التاريخ، في الارتقاء إلى مقام الصورة التي تؤهله ليكون “خليفة” بالمعنى القيمي.
إن أخطر ما أفرزته التحويلة التطورية أنّ الإنسان صار كائنًا خارجًا على الطبيعة إذ أنه لا يكتفي بالتكيّف معها بل يعيد تشكيلها جذريًا ولا يخضع لإيقاعها بل يسعى لإخضاعها ولا يقبل محدوديته بل يحلم بالهيمنة المطلقة عليها. وهنا تتجلى المفارقة المركزية للميتابايولوجيا: الحيوان لا يحتاج إلى أخلاق لأنه مندمج في نظامه الطبيعي، أما الإنسان فلقد اضطر إلى ابتداع الأخلاق لأنّه خرج على ذلك النظام؛ هذا الخروج جعله كائنًا مضاعف الخطورة، أما وأنه قد اصبح يمتلك ذكاء بلا ضمانة قيمية كافية وتقنية بلا نضج روحي موازٍ وسلطة لا تتناسب مع الحكمة التي يدعيها.
من زاوية ميتابايولوجية، يمكن القول إن الإنسان لم يُخلق “على صورة الحيوان”، لأنه تجاوز الحيوان في الوعي الرمزي والتقنية والتجريد. كما أنه لم ينجح تاريخيًا في تجسيد “الصورة الإلهية” التي تفترض التحكم بغرائزه التي انفرط عقدها وتوجيه القوة نحو الخير العام، ولكنه يقيم في “منطقة وسطى” في حالٍ مأزومة. كيف لا، وهو الكائن الذي تتنازعه قوتان كلٌ يسعى لجذبه إليها: نفس لا تريده ان يكون لأحدٍ غيرُها وخالق لهما يريده أن يكون له وحده، فنصفه الذي كان ينتمي لعالم الطبيعة يوماً تمرّد عليه بخروجه عليها، ونصفه القيمي غير مكتمل، وعقله أسرع من أخلاقه وقدرته على التخريب تفوق قدرته على الإصلاح.
وهنا، تطرح الميتابايولوجيا سؤالًا غاية في خطورة: هل كانت التحويلة التطورية الأولى نهاية المسار أم بدايته؟ وهل يعيش الإنسان اليوم، مع الذكاء الاصطناعي والهندسة الوراثية وتوسيع القدرات الإدراكية، على أعتاب تحويلة تطورية ثانية قد تعيد تعريف “صورة الإنسان” مرة أخرى؟
فإذا كان الخروج الأول على الطبيعة قد أنتج “كائناً حضارياً مأزوماً”، فهل سيؤدي الخروج القادم على البايولوجيا البشرية المأزومة إلى إنسان “ما بعد الإنسان”؟ أم إلى تضخم القدرة دون نضج أخلاقي أعمق؟ أم إلى نسخة تقنية من الحيوان المفترس عالي الذكاء؟
يتبين لنا، وبتدبر كل ما تقدم، ووفق هذه القراءة، أن هذا السؤال لا يُحسم: على أي صورة خُلق الإنسان؟ بإجابة بسيطة. فالميتابايولوجيا تقترح أن الإنسان كائن مُنح قابلية الارتقاء لكنه عانى من خلل بنيوي بعد التحويلة التطورية فأصبح مشروعًا مفتوحًا، لا كيانًا مكتملًا، صورةً مؤجّلة أكثر منها حقيقة متحققة. إنه كائن يعيش بين صورتين: صورة يطمح إليها، وصورة ينحدر إليها حين يفشل في ضبط قوته.
فالسؤال الأخطر لم يعد إذاً: على أي صورة خُلق الإنسان؟ بل: هل يستطيع أن يُعيد تشكيل ذاته أخلاقيًا قبل أن تعيد التكنولوجيا تشكيله جذريًا؟

أضف تعليق