على أي صورة خُلق الإنسان: على صورة الله أم على صورة الحيوان؟ (1)

يثير مفهوم “صورة الإنسان” في علاقته بالخالق أحد أكثر الأسئلة حساسية في تاريخ الفكر الديني، لأنه يتصل مباشرةً بطبيعة الإله وحدود التشبيه وحدود التنزيه. ففي بعض نصوص العهد القديم نجد العبارة الشهيرة القائلة إن الإنسان خُلق “على صورة الله”، بينما يقرر القرآن الكريم قانوناً شاملاً صارماً بقوله تعالى: “ليس كمثله شي”، وهي صيغة تقطع الطريق على أي تمثيل أو تشبيه أو تجسيد. وهذه المفارقة الظاهرية بين “الصورة” من جهة و “التنزيه المطلق” من جهة أخرى فتحت عبر القرون باباً واسعاً للتأويلات، وللنقاش حول مدى اتساق تصور العهد القديم مع مبدأ التوحيد الخالص، وحول الخلفيات الفكرية التي تكون قد أسهمت في تشكيل بعض عباراته.
ففي سفر التكوين مثلاً ترد صيغة مفادها أن الإنسان خُلق على صورة الله ومثاله. ولقد فُسّرت هذه الصيغة تاريخياً بعدة اتجاهات:

  1. تفسير رمزي-أخلاقي يرى أن “الصورة” تشير إلى العقل، والقدرة على الاختيار، والسلطة الأخلاقية، لا إلى شكلٍ مادي.
  2. تفسير وظيفي يعتبر الإنسان ممثلاً عن الله في الأرض، مسؤولاً عن العمران والعدل.
  3. قراءة حرفية قديمة، وهي القراءة التي تثير الإشكال الأكبر، إذ يمكن أن توحي، إذا أُخذت دون ضوابط، بتشابهٍ ما بين الخالق والمخلوق.
    غير أن العهد القديم نفسه يشتمل على نصوصٍ أخرى تتجه بوضوح نحو التقليل من شأن الإنسان، والتشديد على هشاشته وفنائه، كما في سفر الجامعة الذي يكرر الحديث عن “الباطل” و “الزوال”، وكذلك في سفر المزامير حيث يُصوَّر الإنسان بوصفه كائناً ضعيفاً، أيامه كالعشب، وسلطانه محدود بالزمان والمكان. وهذا التوتر الداخلي، بين رفع الإنسان إلى مقام “الصورة” وبين تذكيره المتواصل بضآلته الوجودية، يدفع بعض الباحثين إلى القول إن تعبير “الصورة” لا يمكن فهمه على نحو حرفي متجسد، وإلا وقع في تناقضٍ مع نصوص أخرى تؤكد الفارق الجذري بين الإله والمخلوق.
    وعلى الضفة الأخرى، يقدّم القرآن تصوراً متماسكاً يقوم على نفي أي مماثلة بين الله والوجود المخلوق: “ليس كمثله شي”، “ولم يكن له كفواً أحد”، وهي صيغ لا تترك مجالاً لتأويلات تجسيمية. وفي هذا الإطار، تُفهم “استثنائية” الإنسان لا بوصفها اشتراكاً في “صورة” إلهية، بل بوصفها تكليفاً أخلاقياً وحملاً للأمانة وقدرةً محدودة على المعرفة والعمل. ففرادة الإنسان وظيفية-قِيَمية، وليست أنطولوجية بمعنى الاشتراك في طبيعة الإله أو شكله أو صفاته الذاتية. ومن ثمّ، فإن البنية القرآنية تعمل وقائياً ضد أي انزلاق نحو تصورات وثنية أو تشخيصية، وتغلق الباب مبكراً أمام إسقاط المخيال البشري على الذات الإلهية.
    وإذا نُظر إلى نصوص العهد القديم في سياقها التاريخي الواسع في العالم المتوسطي القديم، يظهر أن الثقافات المحيطة كانت مليئة بصور الآلهة المتجسدة، والآلهة ذات الهيئة البشرية، والأساطير التي تجعل الإنسان ابناً أو صورةً حرفية للآلهة.
    من هذا المنظور، يرى بعض الباحثين أن لغة “الصورة” قد تمثل محاولة توحيدية مبكرة جرى التعبير عنها بلغة رمزية مألوفة لعصرها أو أثراً ثقافياً لصيغ أسطورية أقدم أُعيد توظيفها داخل خطاب ديني ناشئ يسعى إلى الانتقال من التعدد إلى التوحيد. وعلى هذا الأساس، فإن الإشكال لا يكمن في وجود مفهوم استثنائية الإنسان، بل في الصيغة اللغوية التي قد تُفهم، خارج سياقها الرمزي، بوصفها ضرباً من الانثروبومورفية Anthropomorphism (الهوس بالشكل البشري) أي إسقاط خصائص الكائن البشري على الإله.
    تنتهي المقارنة النقدية إلى أن القول بخلق الإنسان “على صورة الله”، إذا أُخذ حرفياً، فإنه يصعب التوفيق بينه وبين:
  4. نصوص أخرى في العهد القديم تقلل من شأن الإنسان الوجودي.
  5. المبدأ التوحيدي الصارم الذي سيبلغ ذروته لاحقاً في التصور القرآني.
  6. الحساسية اللاهوتية التي تجعل أي تشبيه مادّي مدخلاً محتملاً إلى التصورات الوثنية.
    ومن ثمّ يمكن طرح فرضية تفسيرية مفادها أن هذا التعبير هو إما مجاز أخلاقي-وظيفي أُسيء فهمه في بعض القراءات أو صيغة لغوية تشكلت في بيئة ثقافية مشبعة بتقاليد ميثولوجية عن آلهة تتخذ أشكال البشر، ثم أُدرجت داخل خطاب توحيدي في طور تشكله.
    يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن المقارنة بين العهد القديم والقرآن تكشف أن المسألة لا تتعلق فقط باختلاف نصّي، بل باختلافٍ في البنية اللاهوتية ذاتها. ففي القرآن، يُؤسَّس تصور الإله على تنزيهٍ مطلق يجعل أي تشبيه مادي أو صوري ممتنعاً من حيث المبدأ. أما في بعض صيغ العهد القديم، فيظهر تعبير “الصورة” بوصفه نقطة توتر تحتاج إلى تأويل رمزي صارم كي لا تنفتح على احتمالات التجسيد. ومن هنا تخلص المقالة إلى أن القراءة التي تفهم “الصورة” فهماً حرفياً لا تنسجم لا مع تيارات التوحيد الخالص، ولا مع نصوص كتابية أخرى داخل العهد القديم نفسه، وأن الأرجح، في ضوء المقارنة التاريخية-الدينية، أن هذا التشبيه يعكس مرحلةً لغوية-ثقافية في تطور الخطاب الديني، أكثر مما يعكس تقريراً ميتافيزيقياً دقيقاً عن طبيعة الإله.

أضف تعليق