أبنية الفكر وصمت الحجر… غاودي وإيشر في مئوية العبور نحو التعبير الصامت

في مئوية غاودي الأولى، لا نحتفي بمجرد معماري عبقري، بل بنظام معرفي كامل تجسد في “ساغرادا فاميليا”. يبرز هنا سؤال أنطولوجي عميق: هل استطاع غاودي أن يجسد مشروعه الفلسفي من خلال الحجر؟ وكيف يبدو هذا الإنجاز عند مقارنته بالمتاهات الذهنية التي شيدها “موريتس إيشر”؟ إنها رحلة للبحث في قدرة “الفراغ المعماري” على استيعاب “المطلق الفلسفي”، وصولاً إلى تبيان ما يعنيه أن يكون الفيلسوف قادراً على التعبير عن أفكاره بوسيلة أخرى غير الكلمات.
فغاودي لم يكن معمارياً بالمعنى التقني الصرف، بل كان “متصوفاً بصرياً”. مشروعه الفلسفي ارتكز على أن الطبيعة هي الكتاب المفتوح الذي كتبه الخالق، وأن العمارة يجب أن تكون تواصلاً مع هذا الخلق لا انقطاعاً عنه. فلقد استبدل غاودي الخطوط المستقيمة (التي اعتبرها بشرية وقاصرة) بالمنحنيات العضوية؛ حيث استخدم “قوس السلسلة المعكوس” (Catenary Arch) الذي يتشكل طبيعياً بفعل الجاذبية، ليعلن خضوعه لقوانين الكون لا لإرادة “المسطرة البشرية”. ففي معبده، لم يبنِ غاودي مكاناً للعبادة، بل بنى “غابة” حجرية تتنفس. هنا، تتجسد فلسفة الوحدة بين المادة والروح؛ حيث يتحول الحجر الأصم إلى كائن حي ينمو نحو السماء، ملغياً الزوايا الحادة التي تفصل الإنسان عن فضاء الوجود.
على المقلب الآخر، نجد “موريتس إيشر” الذي لم يبنِ بالحجر، بل بالمنطق الصوري والرياضيات. فلسفته كانت تساؤلاً إبستمولوجياً (معرفياً) حول حدود الإدراك البشري. فلقد أعتمد إيشر على تكرار الأشكال (Tessellation) بحيث لا تترك فراغاً بينها، مجسداً فكرة “وحدة الأضداد”؛ حيث يتحول الطائر إلى سمكة، والنهار إلى ليل، في دورة لا نهائية. ومن خلال لوحاته التي تصور أبنية لا نهائية، عبر إيشر عن استحالة الإحاطة بالحقيقة المطلقة عبر الحواس. عمارة إيشر هي “عمارة الفكرة” التي تثبت أن منطقنا البشري قد يكون سجناً دائرياً (Paradox)، حيث يصعد المرء الدرج ليصل إلى نفس النقطة التي بدأ منها.

فبينما يتجه غاودي نحو “الأعلى” (السمو الروحي)، يتجه إيشر نحو “الداخل” (المتاهة الذهنية). لقد نجح كلاهما في تجاوز “الكلمة”، لكن غاودي تفوق في البعد الوجودي (العمارة كحياة)، بينما برع إيشر في البعد المعرفي (العمارة كفكرة مفارِقة).
إن الإجابة التي تتجاوز غاودي وإيشر معاً تكمن في مفهوم “الفيلسوف العابر للأدوات”. فقدرة الفيلسوف على التعبير بوسائل غير الكلمات (كالموسيقى أو البناء) تعني إعلان “استقلال المعنى” عن اللغة:

  1. الفكر يسبق اللغة. فاللغة ليست الوعاء الوحيد للفكر، بل هي أحياناً قيد عليه. والعمارة والموسيقى تمنحان الفكرة “جسداً” وحضوراً لا تملكه الكلمات المجردة.
  2. التجربة الكلية. فالكلمة تخاطب الوعي التحليلي، بينما العمارة تخاطب الجسم والحواس والنفس دفعة واحدة. فأنت لا “تقرأ” فلسفة غاودي، بل “تسكنها”.
  3. نقل “الحال” لا “المقال”. فحين يبني الفيلسوف، فإنه لا يشرح الحقيقة، بل يضع المتلقي داخلها. فهي عملية نقل مباشرة للمهابة أو الحيرة دون وسيط لغوي مراوغ (حمَّال أوجه).
    يتبين لنا، وبتدبر كل ما تقدم، أن المفارقة الكبرى في مئوية غاودي هي أننا ما زلنا نحاول “شرحه” بالكلمات، بينما كان هو يفر بالحقيقة إلى رحابة الحجر. الكلمة بطبعها “تجزئ” الحقيقة لتفهمها، أما العمارة فهي “تجمعها” لتعيشها. فأن يكون المرء فيلسوفاً بالبناء يعني أنه استطاع تحويل “اللوغوس” (الكلمة) إلى “إيثوس” (فعل وجودي ملموس). فإذا كان غاودي قد بنى “اليقين”، فإن إيشر قد رسم “الشك”، وكلاهما أثبت أن الحجر والحبر قد يكونان أفصح من آلاف المجلدات.
    في نهاية المطاف، فإن الفيلسوف الحقيقي هو من يستطيع أن يجعلك ترى فكرته في انحناءة قوس، أو تسمعها في نغمة وتر، حيث تصمت الكلمات.. ويبدأ الوجود في الكلام.

أضف تعليق