الكلمة السحرية بين مزامير داوود وزبوره

في قصيدته الشهيرة Das Zauberwort، يتأمل الشاعر الرومانسي الألماني كارل يوزيف فون آيخندورف في فكرة آسرة مفادها وجود “كلمة سحرية” إذا ما نطق بها الإنسان انفتح العالم من حوله على نشيدٍ كوني، وارتجفت الطبيعة كما لو أنها كانت تنتظر إشارة خفية كي تُفصح عن موسيقاها الدفينة. فليست هذه الكلمة، في أفق الرومانسية الألمانية، تعويذة لغوية بالمعنى السحري الشعبي، بل مفتاحًا أنطولوجيًا: كلمة تعيد الإنسان إلى انسجامه الأول مع الوجود، وتكسر عزلة الذات الحديثة عن العالم.
هذا التصوير الشعري الجميل يفتح أفقًا تأويليًا بالغ العمق حين يُقرأ على ضوء ما يورده القرآن الكريم في وصف العلاقة الفريدة التي جمعت النبي داوود بالطبيعة، حيث لم يكن “تسبيح الله” فعلاً إنسانيًا منفردًا، بل ظاهرة كونية شاملة:
{وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ ۚ وَكُنَّا فَاعِلِينَ} (الأنبياء: من 79)
{إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ} (ص: 18)
هنا، لا يعود الكون مسرحًا صامتًا يتحرك فيه الإنسان وحده، بل يتحول إلى جوقة وجودية كاملة، تتجاوب مع صوتٍ بلغ مقام التناغم المطلق مع الحقيقة الإلهية.
فعند فون آيخندورف، تبدو “الكلمة السحرية” وكأنها تختصر سرَّ العالم؛ حيث أن لفظة واحدة تُعيد للأشياء روحها، وتُنطِق “الجماد” بالموسيقى. إنها، بلغة فلسفية، لحظة انكشاف؛ فحين تتطابق اللغة مع البنية العميقة للوجود، عندها ينهار الحجاب الفاصل بين الذات والطبيعة.
أما في التصور القرآني، فالأمر يتجاوز الانكشاف الجمالي إلى مقام أرفع: فالتسبيح ليس استجابة للطبيعة لسحر الصوت البشري، بل استجابة لحقيقةٍ كونية راسخة مفادها أن الوجود في جوهره موجَّه إلى الخالق. فالجبال والطير لا “تتأثر” بداوود بقدر ما تنخرط معه في الفعل نفسه، فعل الاقرار الكوني بالعبودية المطلقة لله.
وهنا تتلاقى الرؤية الشعرية مع النص القرآني عند نقطة دقيقة: الكلمة التي تجعل العالم يغني ليست كلمة السيطرة، بل كلمة الانخراط في نظام الوجود.
إن القرآن العظيم يعيد توجيه سؤال اللغة. فليست اللغة حكرًا على البشر، وليست الأصوات الطبيعية ضوضاء بلا معنى، بل لكل كائن نمطه الخاص من “الذكر” الذي ينسجم مع مرتبته الوجودية. ومن ثمّ، فإن ما ميّز داوود ليس امتلاك قدرة خارقة بالمعنى الأسطوري، بل بلوغه حالة من الصفاء الروحي جعل صوته يتماهى مع النغمة الأصلية التي يقوم عليها الكون.
وفي هذا السياق، يصبح التسبيح “الكلمة السحرية” بالمعنى الأعمق. كلمة لا تُغيّر الطبيعة قسرًا، بل تكشف عن حقيقتها. وهذا المعنى ينسجم مع ما تورده الكتب الإلهية السابقة، مثل التوراة والزبور والإنجيل، من تصوير الكون بوصفه فضاءً يتردد فيه الحمد الإلهي، حيث السماوات والأرض وسائر الموجودات تشترك في خطاب التسبيح، كلٌّ بلغته الخاصة: {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} ( النور 44)
إن الفارق الجوهري بين فون آيخندورف والرؤية القرآنية يكمن في جهة الإحالة النهائية، فالشاعر الرومانسي يبحث عن الخلاص في المصالحة الجمالية مع الطبيعة، وفي إعادة سحر العالم عبر اللغة الشعرية. أما القرآن فيردّ هذا السحر إلى مصدره الأعلى: إلى الله نفسه، بوصفه مركز المعنى ومحور النشيد الكوني. ومع ذلك، فإن السؤال الذي يحرّك التجربتين واحد في عمقه:
كيف يمكن للكلمة أن تعيد الإنسان إلى قلب الوجود؟ ففي الرومانسية، نجد أن الكلمة تعيد للكون بهاءه المسلوب. وفي الوحي، فإن الكلمة تعيد الإنسان إلى موقعه الصحيح داخل كونٍ يسبّح منذ البدء.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أننا إذا قرأنا “الكلمة السحرية” عند فون آيخندورف في ضوء تجربة داوود القرآنية، بدا لنا أنها ليست مجرد استعارة شاعرية، بل حدسٌ إنسانيٌّ قديم بوجود لغة أعمق من الكلام اليومي، لغة إذا استُحضرت عاد العالم إلى غنائه الأول. ولكن القرآن يذهب خطوة أبعد: هذه اللغة ليست سرًّا غامضًا يتعثر به الشاعر صدفة، بل هي الحقيقة الباطنة للكون نفسه: التسبيح لله.
وهكذا، تتقاطع القصيدة الألمانية مع الرؤية القرآنية عند تخوم المعنى؛ حيث لا تعود “الكلمة السحرية” تعويذة تغيّر العالم، بل نغمةً كونية تكشف أن العالم، منذ الأزل، كان يغنّي.

أضف تعليق