
يطرح سؤال “هل الإنسان انعكاس لصورة إلهية مكتملة، أم مجرد حلقة في سلسلة حيوانية؟” ثنائيةً حادة؛ إلا أن التأمل في “الهشاشة البشرية” يقدم مخرجاً ثالثاً يقلب الطاولة على المفهومَين معاً. فالإنسان، ومن منظور تطوري بحت، هو لا هذا ولا ذاك، بل هو الكائن الذي خرج على مسار الطبيعة نتيجة “انعطافة الضعف الخَلقي”. فلطالما عزى الإنسان نفسه بفكرة أنه خُلق على “صورة الرب”، وهي صورة متخيَلَّة متوهمَّة تمنحه الكمال والقدرة والتعالي. لكن الواقع التشريحي والتطوري يكشف عن كائن “هش” بشكل بنيوي. فنحن البشر كائنات تولد قبل أوانها (بالمعنى البايولوجي)، نحتاج لسنوات من الرعاية قبل الاستقلال، ونفتقر إلى الأنياب والفراء والسرعة التي تمتلكها الحيوانات. هذا الضعف الخلقي يجعل من ادعاء “الصورة الإلهية” عبئاً ثقيلاً لا يتناسب مع فقرنا البايولوجي.
في المقابل، فشل الإنسان في أن يكون “حيواناً كاملاً”. فالحيوان محكوم بغريزة تؤمن له التكيف المطلق مع بيئته. أما الإنسان، فقد شهد “تحويلة” تطورية جعلته يفقد بوصلة الغريزة. فـ “الإنسان هو الكائن البايولوجي الوحيد الذي لا يملك بيئة محددة، بل عليه أن يصنع عالمه الخاص.” وهذه الهشاشة هي التي جعلت الإنسان يخرج على “عالم الطبيعة” (صورة الحيوان) ليدخل عالماً جديداً لم يكن، وعلى قدر تعلق الأمر بما تقتضيه البايولوجيا، العالم الملائم له. وبسبب عجزه عن البقاء كحيوان، اضطر الانسان لاستخدام عقله لابتكار الأدوات واللغة والمؤسسات.
ولذلك فلقد تعين على الإنسان أن يكون عالقاً في “منطقة وسطى”، طالما كان من المستحيل عليه أن يكون على صورة الرب بسبب محدوديته وتناهيه، كما أنه غير قادر على العودة لصورة الحيوان بسبب وعيه وانفصاله عن الطبيعة.
فهذه “التحويلة التطورية” جعلت من الضعف البشري محركاً للحضارة، لكنها تركت الإنسان في حالة اغتراب دائم؛ فهو الكائن الذي يحاول سد ثغرة نقصه التكويني عبر ادعاء الألوهية أو محاكاة الطبيعة، وكلاهما قناع لهروبه من حقيقة كونه “مشروعاً غير مكتمل”.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن الإنسان ليس صورة للكمال الإلهي، بل هو تجسيد لـ “مخاطرة تطورية” نبعت من الضعف. نحن لسنا أسياداً للطبيعة، بل مطرودين منها بسبب “عَوَزنا البايولوجي”، وهذا “العَوَز” هو ما يجعلنا “بشراً” بكل ما تحمله الكلمة من قلق وإبداع.
