
تثير عبارة “خلق الله آدم على صورته”، الواردة في بعض الروايات الحديثية، إشكالًا عقديًا عند مقارنتها بما ورد في القرآن الكريم من تقرير قاطع لتنزيه الذات الإلهية عن المشابهة والمماثلة، كما في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. ويتضاعف هذا الإشكال حين يُلاحظ التشابه الظاهري بين هذه الصيغة وبين ما ورد في سفر التكوين ضمن نصوص العهد القديم حول خلق الإنسان “على صورة الله”، وهو ما يفتح باب التساؤل حول المرجعية المعرفية التي ينبغي الاحتكام إليها عند ظهور هذا النوع من التعارض الظاهري.
تنطلق هذه المقالة من أطروحة إبستمولوجية مركزية في الفكر الإسلامي مفادها أن القرآن يتمتع بسلطة معيارية عليا على سائر الخطابات الدينية، بما في ذلك الروايات الحديثية نفسها، استنادًا إلى توصيفه الذاتي بوصفه نصًّا «مُهَيْمِنًا» على ما سبقه من كتب. فالهيمنة هنا لا تُفهم على أنها مجرد تصديق تاريخي أو استمرارية رمزية، بل باعتبارها وظيفة نقدية–تقويمية تضبط أطر الفهم العقدي وتعيد تأويل أو تقويم ما عداها عند التعارض.
ووفق هذا المنظور، يصبح الاحتكام إلى القرآن في القضايا العقدية الكبرى، وخاصة ما يتعلق بتصور الذات الإلهية، أصلًا منهجيًا لا فرعًا تفسيريًا. فالقرآن، من حيث الثبوت والدلالة الكلية في مسائل التنزيه، يشكّل الإطار الأعلى الذي تُقاس عليه الروايات الأخرى، لا العكس. وأي قراءة ظاهرية لعبارة “على صورة الله” تُفضي إلى إثبات مشابهة صورية أو تشخيصٍ للذات الإلهية تُعد، بحسب هذا المنهج، قراءةً مرفوضة لأنها تصطدم بأصل قرآني قطعي في نفي المماثلة.
ويتميّز هذا الذي تطرحه هذه المقالة عن المقاربات الكلامية التقليدية التي اكتفت بمحاولات تأويل لغوي للحديث، كردّ الضمير إلى آدم نفسه أو حمل “الصورة” على معانٍ غير حسية، بأنه ينقل النقاش إلى مستوى أعمق، وهو مستوى ترتيب السلطات النصية داخل البنيان المعرفي للإسلام. فالسؤال الحاسم هنا ليس فقط: كيف نؤول الرواية؟ بل: أي نص يملك الحق في تحديد أفق التأويل ابتداءً؟
وبناءً على ذلك، فإن المبدأ الحاكم في هذا التقييم هو أن القرآن يُقرأ بوصفه الميزان الأعلى الذي تُفهم في ضوئه بقية النصوص، لا بوصفه نصًا مفتوحًا لإعادة الصياغة العقدية تحت ضغط رواية جزئية أو تشابه نصّي مع تقاليد سابقة. وبهذا المعنى، تتحول مسألة “خلق الله آدم على صورته” من إشكال حديثي محدود إلى نموذج تطبيقي على مفهوم “السيادة المعرفية للقرآن” داخل مجال العقيدة الإسلامي.
وخلاصة القول إن هذا المنهج يؤكد أن سلطة القرآن ليست سلطة تفسيرية فحسب، بل سلطة تأسيسية تحدد الحدود القصوى للتصور العقدي، وتمنع انزلاق الخطاب الديني إلى أشكال من التشبيه أو التجسيم تتعارض مع البنية التوحيدية الصارمة التي يقررها النص القرآني نفسه. وفي هذا الإطار، يغدو الاحتكام إلى القرآن شرطًا إبستمولوجيًا سابقًا على أي محاولة توفيقية بينه وبين غيره، وليس نتيجةً لها.
