من آثار رحمة الله تعالى في سيرة النبي يوسف والنبي موسى

لمصر حضورٌ فاعلٌ في سيرة حياة نبيين كريمين هما يوسف وموسى. غير أن هذا الحضور لا يقتصر على كونه إطارًا جغرافيًا للأحداث، بل يبدو عند التدبر، مجالاً تتجلّى فيه إحدى تجليات التدبير الإلهي الدقيقة. ويتمثل هذا التجلي في التأثير الوجداني الملقى في قلوب الآخرين بوصفه وسيلة حماية وتوجيه مرحلي ضمن المسار النبوي لكلٍ منهما.
فقصة النبي يوسف تُظهر نمطًا استثنائيًا من “الانجذاب غير المألوف” الذي أحدثه حضوره في نفوس النساء، وذلك كما تصوره آيات سورةِ يوسف. فانبهار النسوة وانقطاعهن عن الإدراك العادي عند رؤيته، وما سبق ذلك من وصفهن لامرأة العزيز بأن يوسف قد  “شغفها حبًّا”، يشير إلى حالة تتجاوز الإعجاب الطبيعي إلى أثر نفسي كثيف يصعب تفسيره بقوانين العلم الذي بين أيدينا. ومن المشروع تأويليًا أن يُقرأ هذا الأثر في ضوء منطق قرآني عام يرى أن الله قد يتدخل في البنية الشعورية لقومٍ ما لحماية عبده أو تمرير مرحلة من مراحل المقصد الأعلى.
غير أن هذا الاستنتاج ينبغي أن يظل في دائرة القراءة التحليلية لا التقرير النصّي الصريح؛ فالقرآن لا يصرّح بوجود “إلقاء خاص” مماثل لما ورد في شأن النبي موسى، وإنما يُستشف هذا العامل من تتابع الوقائع وحدّة الاستجابات الإنسانية المحيطة بيوسف.
ويغدو هذا الاحتراز المنهجي أكثر أهمية عند الانتقال إلى تدبر النص القرآني الذي حفظ لنا حيثيات وتفاصيل تتعلق بالقرار الذي أتُخذ والقاضي بسجنه. فالنص يعزو هذا القرار إلى تقدير سياسي-اجتماعي بعد “تَبَيُّن الآيات”، لا إلى تغيّر في خصائص يوسف الذاتية. ومن ثم يمكن القول إن مجال التأثير قد تبدّل؛ إذ انتقل التدبير من المجال الاجتماعي المفتوح، حيث كان الأثر الوجداني عنصرًا فاعلًا في توجيه الأحداث، إلى حيِّزٍ محدود المساحة، حيث تبدأ مرحلة جديدة من الإعداد الصامت الذي سيقود لاحقًا إلى انقلاب موقع يوسف داخل بنية السلطة.
أما في قصة النبي موسى، فإن النص يقدّم تصريحًا مباشرًا لا لبس فيه: “وألقيت عليك محبة مني”. هنا يغدو العامل الوجداني عنصرًا بنيويًا في الخطة الإلهية، إذ يُفسّر قبوله في قصر فرعون، وتحوّل الرضيع المهدَّد بالقتل إلى متبنّى داخل بيت العدو نفسه. كما أن اقتران هذه “المحبة” بقول الله تعالى «ولتصنع على عيني» يوسّع دلالتها من مجرد حماية آنية إلى وظيفة تربوية طويلة المدى، تُسهم في تشكيل الشخصية القيادية للنبي داخل مركز القوة الذي سيواجهه لاحقًا. وعند خروج موسى من مصر بعد حادثة القتل، يمكن القول إن التجلي السياسي لهذه المحبة داخل منظومة فرعون قد انتهى، بانتهاء وظيفته المرحلية؛ على أن هذا لا يلزم عنه أن يكون أثرها التكويني قد زال من شخصيته بالضرورة؛ فالقراءة الأرجح أن العامل الوجداني قد استُخدم حيث اقتضته مرحلة النشأة داخل النظام المعادي، ثم انتقلت العناية الإلهية إلى صورة أخرى من صور التدبير خلال طور “التيه” والإعداد الرسالي.
ومن خلال المقارنة بين هاتين القصتين، يتجلى نمط سردي دقيق. ويتمثل هذا النمط في أن الحفظ الإلهي لا يتجلّى دائمًا في صورة معجزات قاهرة، بل قد يُمارَس عبر تحريك البنى النفسية والاجتماعية للآخرين، زرع قبول أو إثارة انجذاب أو تعطيل نزعة البطش، وبما يسمح للنبي أن يعبر مرحلة حرجة دون أن تتكشَّف الغاية النهائية مبكرًا.
وفي هذا الضوء، يمكن فهم مصر لا بوصفها مجرد مجالاً للأحداث، بل ساحةً تُظهِر إحدى أكثر آليات التدبير القرآني خفاءً، والتي تتمثل في الاشتغال داخل قوانين الاجتماع البشري نفسها بدل خرقها الظاهر، وتوجيه مسار التاريخ من خلال العاطفة والسياسة والقرار البشري، دون تعطيل لمسؤولية الفاعلين ولا لحرية الاختيار الظاهرة.

أضف تعليق