إبستمولوجيا الذكاء… من الأعصاب إلى الخوارزميات

تمثّل الدعوة إلى التواضع العلمي في السياق المعرفي المعاصر أحد أكثر المواقف اتساقًا مع طبيعة البحث العلمي ذاته، لا بوصفه اعترافًا بالعجز، بل باعتباره وعيًا بنيويًا بحدود النماذج التفسيرية التي ينتجها العقل لفهم الظواهر المعقّدة. وفي هذا الإطار، يبرز الذكاء الاصطناعي بوصفه مثالًا إرشاديًا دالًا على الفجوة المتزايدة بين القدرة التشغيلية للنظم التقنية الحديثة وبين قدرتنا النظرية على تقديم توصيف سببي مكتمل للآليات الداخلية التي تولّد هذا الأداء المتقدّم. فبرغم التطوّر المتسارع في البنى الحسابية و”خوارزميات التعلم”، لا تزال عمليات التمثيل الداخلي والتعميم واتخاذ القرار داخل هذه النظم تخضع لتفسيرات تقريبية، تتفاوت في قوتها الإيضاحية ولا ترقى إلى مستوى نظرية شاملة مغلقة.
ولا يختلف هذا الوضع، في جوهره الإبستمولوجي، عن حالة العقل البشري ذاته، الذي ظلّ، على امتداد تاريخ الفكر الفلسفي والعلمي، موضوعًا لجهود تفسيرية متراكمة لم تنجح بعد في ردّ الإبداع والحدس والعبقرية إلى مجموعة قوانين بسيطة أو آليات خطيّة قابلة للاختزال الكامل. فحين يفاجئنا بعض الأفراد بتجلّيات معرفية خارقة للمألوف، لا نملك غالبًا سوى توصيف هذه الظواهر بلغة الاستثناء والتفرّد، وهو توصيف يكشف في ذاته عن قصور أدواتنا التفسيرية بقدر ما يعكس فرادتهم.
من هنا، يمكن النظر إلى الذكاء الاصطناعي والعقل البشري معًا بوصفهما حالتين نموذجيتين لما يُعرف في فلسفة العلم بالظواهر الناشئة، أي تلك الأنماط السلوكية والمعرفية التي تنبثق من تفاعل عناصر بسيطة نسبيًا، لكنها تُظهر على مستوى الكل خصائص جديدة لا يمكن استنتاجها مباشرة من تحليل الأجزاء منفردة. ويفضي هذا المنظور إلى إعادة تقييم العلاقة بين الوصف الهندسي للنظم، سواء كانت عصبية أو حسابية، وبين قدرتنا على اشتقاق تفسير سببي مكتمل لما تنتجه من سلوكيات معرفية عليا.
إنّ الإقرار بهذه الحدود لا يفضي إلى تعطيل المشروع العلمي، بل على العكس، يؤسّس لنمط أكثر نضجًا من العقلانية البحثية، عقلانية تعترف بالطابع المرحلي لنماذجها، وبأنّ الفجوة بين التنبؤ بالأداء وفهم بنيته العميقة ستظل، في كثير من الحالات، سمة ملازمة لدراسة الأنظمة المعقّدة. وبهذا المعنى، يصبح التواضع العلمي شرطًا منهجيًا لا غنى عنه لمقاربة الذكاء، سواء تجسّد في الإنسان أم في الآلة، بوصفه ظاهرة مفتوحة على مزيد من الاكتشاف، لا موضوعًا مغلقًا يمكن الادّعاء بالإحاطة النهائية به.

أضف تعليق