إرجاء اليقين العقلي وفتح أفق الرجاء… قراءة تحليلية في قوله تعالى ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾

تندرج الآية الكريمة ضمن خطاب قرآني أوسع يعيد ضبط موقع العقل في مقاربة الواقع التاريخي والوجودي. فالقرآن لا يعطّل العقل ولا يصادر دوره في قراءة الوقائع وربط الأسباب بمسبّباتها، لكنه في الوقت ذاته يمنع تحويل هذا الاشتغال السببي إلى يقين مغلق بشأن مآلات الأحداث. ويُفهم قوله تعالى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ بوصفه إعلانًا صريحًا لحدود المعرفة البشرية عندما تتجاوز الوقائعُ نطاق التقدير الحسابي المعتاد.
الجهل المشار إليه هنا ليس نقصًا معرفيًا عارضًا يمكن تجاوزه بتراكم البيانات، بل هو جهل بنيوي بمستوى الحسم النهائي في التاريخ؛ أي بالمآل الذي تظل مفاتيحه بيد المشيئة الإلهية. ومن ثمّ فالآية لا تُخاصم التخطيط العقلاني، لكنها تُعلّق يقينه النهائي، وتمنع تحويله إلى صورة من صور الحتمية الوجودية.
يقيم النص القرآني نظامًا مزدوج البنية، فمن جهة أولى، انتظام العالم وفق سنن وقوانين سببية أُنيط بها تدبير الوقائع اليومية، ومن جهة ثانية، سيادة المشيئة الإلهية على هذا النظام، بحيث لا تتحول السنن إلى قيد على القدرة المطلقة. وفي هذا الإطار، لا يُفهم إمكان حدوث “أمر جديد” بعد اكتمال الأسباب على أنه نقض للعقل أو تعطيل للنظام الكوني، بل بوصفه إظهارًا لعلوية المصدر الذي أودع القوانين فاعليتها ابتداءً. فالسببية نفسها ليست ذات استقلال وجودي، بل تعمل ضمن أفق مشروط بالأذن الإلهي على إمكان التعليق أو التحويل.
وعلى هذا الأساس، تنتقل الآية من وصف محدودية الإدراك البشري إلى بناء موقف معرفي–وجودي؛ فالإنسان مأمور بأن يعمل في إطار السنن، لكنه منهي عن تحويل حساباته إلى صورة نهائية مغلقة للواقع.
يُبرز السياق القرآني الذي أُدرجت فيه الآية أن المقصود ليس مجرد بث شعور نفسي يُذكي الأمل، بل تأسيس نمط إدراكي يرى التاريخ والوقائع بوصفهما مفتوحين على مفاجأة الرحمة الإلهية. فالآيتان الكريمتان المصاحبتان لها في السورة ذاتها: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾، و ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾، تشكل معًا شبكة دلالية تُعيد تشكيل العلاقة بين الأزمة والنتيجة وبين الانسداد والتاريخ. فالرجاء هنا ليس تعليقًا للعقل ولا دعوة إلى السلبية، بل رفضٌ لتحويل المعطيات الراهنة إلى قدر نهائي. وهو بهذا المعنى موقفٌ إبستمولوجي قبل أن يكون صراعاً وجدانيًا، وهو تذكير للعقل ودعوة له بأن لا يجعله الواقع يؤطر مقاربته له بوقائعه واحداثه وبمقتضيات هذه الحتمية، وأن لا ينسى أن السيادة المطلقة هي لله الذي بإمكانه أن يزلزل أركان هذا الواقع بقوله للشيء إذا أراده “كن فيكون”.
وهنا، لابد من الإشارة الى بعض مما يمثله ورود قول الله تعالى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ في سياق سورة الطلاق. فهذا الورود يمنح قول الله تعالى هذا بعدًا تطبيقيًا كثيفًا؛ فهو لا يُخاطب متأملًا في نظام الكون، بل إنسانًا واقعًا في أزمة اجتماعية ونفسية حادة. ومن ثمّ فإن الرسالة ليست تنظيرًا ميتافيزيقيًا معزولًا، بل إعادة توجيه إدراكي في خضم واحدة من أقسى تجارب الهشاشة الإنسانية؛ وذلك حين يبلغ الانسداد مداه الظاهر، فإن أفق التاريخ يظل مفتوحًا على فعل غير متوقَّع.
وهنا يتحول النص إلى ما يمكن تسميته هندسة قرآنية للأمل، وليس وعدًا آليًا بتغيير كل وضع، بل تحطيمًا لادعاء الإغلاق النهائي للمشهد، أي لنزعة العقل إلى تثبيت الحاضر بوصفه آخر الممكنات.
وهنا، يتوجب علينا أن لا ننسى أن قول الله تعالى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ يقدم لنا استراتيجية أعمق في إدارة المعرفة البشرية؛ فهو لا يسحب الإنسان من العالم السببي ولا يتركه أسيرًا له؛ بل يُقيمه في موقع وسط، فاعلًا داخل السنن، متواضعًا أمام السيادة الإلهية، ومتحررًا من وهم السيطرة المطلقة لنظام الأسباب على المآلات. ومن ثم يمكن القول إن قوله تعالى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ يؤسس لقطيعة معرفية مع العقلانية المغلقة التي تختزل التاريخ في خط سببي أحادي الاتجاه، ويعيد إدخال عنصر الانفتاح الوجودي الذي يمنع اختزال المستقبل في امتداد آلي للحاضر.
يتبين لنا، وبتدبر كل ما تقدم، أنه يمكن تلخيص الأطروحة التي تقدمها هذه المقالة في النقاط الآتية:

  1. الآية تعلن حدود العقل في إدراك المآلات النهائية دون أن تنفي مشروعية عمله داخل نظام الأسباب.
  2. السنن الكونية تعمل في أفق مشروط بإذن الله تعالى على تدخل يتجاوز الحسابات المعتادة.
  3. الرجاء القرآني موقف معرفي يمنع تحويل الوقائع الراهنة إلى قدر مغلق.
  4. السياق التشريعي للآية يضفي عليها بعدًا وجوديًا عمليًا يعمل في قلب الأزمة الإنسانية.
  5. النص يؤسس لتوازن إبستمولوجي بين الفعل داخل العالم وتعليق الحسم النهائي بشأن نتائجه.

أضف تعليق