العقل المأزوم في الأفق الميتابايولوجي

تنطلق هذه المقالة من فرضية مركزية مفادها أن مأزق الإنسان المعاصر لا يرجع، في جوهره، إلى نقصٍ في المعارف أو قصورٍ في الأدوات التقنية، بل إلى بنية العقل نفسه كما تشكّلت عبر مسيرته التطورية الطويلة. فالعقل، الذي طالما اعتُبر أسمى أدوات التحرر والسيطرة على الطبيعة، يحمل في داخله آثار شروط نشأته الأولى: نزعات دفاعية وآليات تبسيط قسري للواقع وميلًا إلى تضخيم الذات المدرِكة، كانت في بيئات البقاء المبكرة وظائف نافعة، لكنها غدت في عالم شديد التعقيد مصدرًا متزايدًا للعمى المعرفي وسوء التقدير الحضاري. ومن هذا المنظور، لا يعود الإخفاق في مواجهة الأزمات البيئية أو السياسية أو التقنية مجرد عثرة ظرفية، بل نتيجة مباشرة لعجز الوعي البشري عن الاعتراف بمحدوديته البنيوية، وبما يرافقها من قابلية راسخة لإنتاج اليقينيات الزائفة، وتحويل الثقة المعرفية إلى غرور وجودي مقنّع.
ويترتّب على ذلك أن النقد المطلوب ليس نقدًا للأخطاء الجزئية في أنماط التفكير فحسب، بل مراجعة جذرية لمفهوم العقل ذاته، لا بوصفه جهازًا سياديًا مكتملًا، بل كنتاج تاريخ تطوري أفرز قدرة مذهلة على الابتكار والتنظيم الرمزي، بقدر ما رسّخ استعدادًا دائمًا للتصلّب العقائدي والانغلاق التأويلي وإسقاط التصورات البشرية المحدودة على العالم بأسره. فالعقل، في هذا الإطار، ليس خصمًا للإنسان ولا منقذًا مطلقًا له، بل ساحة توتر داخلي بين نزعتين متعارضتين: نزعة البناء والتوسيع، ونزعة الهيمنة والتبسيط القسري.
ومن هنا يبرز الذكاء الاصطناعي بوصفه الامتحان الأحدث والأكثر حدة لهذا التوتر البنيوي. فإذا كان العقل البشري قد بلغ حدودًا ناتجة عن شروط نشأته التطورية، فإن الأنظمة الذكية لا تظهر كبديلٍ محايد عنه، بل كامتداد مضخِّم لخصائصه الأساسية؛ فهي توسّع قدرته على الحساب والتنبؤ واستخراج الأنماط إلى مستويات غير مسبوقة، لكنها في الوقت نفسه قد تُعيد إنتاج تحيّزاته، وتُسرّع من آليات التبسيط الاختزالي، وتحوّل أخطاءه الإدراكية إلى منظومات مؤتمتة واسعة النطاق. وبذلك لا يغدو الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تقنية خارجية، بل مرآة مكبِّرة لبنية العقل ذاته، تكشف حدوده بقدر ما تضاعف فاعليته.
يتبين لنا، وبتدبر كل ما تقدم، أنه وفي هذا السياق، يصبح السؤال المركزي للفصل اللاحق من التطور البشري ليس ما إذا كانت الآلات ستتفوق على الإنسان معرفيًا فحسب، بل ما إذا كان الإنسان، بعقله المتشكّل تطوريًا، قادرًا على إدارة تضخيمٍ غير مسبوق لقدراته دون أن يتحوّل هذا التضخيم إلى تسريع لانحرافاته القديمة المتمثلة في نزعة السيطرة ووهم الموضوعية المطلقة والاعتقاد بأن تعقيد العالم يمكن اختزاله في نماذج حسابية مغلقة. وهكذا يغدو الذكاء الاصطناعي حلقة جديدة في سلسلة التحولات الكبرى التي تضع العقل أمام نفسه، وتُجبره للمرة الأولى، على هذا النطاق على مواجهة السؤال الذي طالما أجّله: هل يستطيع تجاوز مأزقه المعرفي عبر مضاعفة قوته التقنية، أم أن الخروج الحقيقي يقتضي أولًا إعادة تعريف حدوده وموقعه ومسؤوليته في نظام معرفي لم يعد الإنسان وحده مركزه الأوحد؟

أضف تعليق