صدمة كوكب الأرض… عِلّة “متلازمة فلورنسا” (مقاربة ميتابايولوجية)


تُعرَف “متلازمة فلورنسا” بوصفها حالة نادرة، لكنها متكررة الوصف، تصيب بعض زائري المدينة الإيطالية فلورنسا حين يواجهون كثافة فنية وجمالية استثنائية في زمن قصير تتمثل في: عمارة عصر النهضة ولوحات متاحفها وتناسق شوارعها الحجرية وانعكاسات الضوء على نهر أرنو. أما أعراضها المُبَلَّغ عنها فإنها تتراوح بين دوار مفاجئ وتسارع نبضات القلب وضيق في التنفس واضطراب إدراكي عابر وحتى آلام جسدية لا يُعثر لها، في كثير من الحالات، على سبب عضوي مباشر.
هنا يبدو الجمال ذاته كقوة صادمة: فائضًا إدراكيًا يتجاوز قدرة الجهاز العصبي على الاستيعاب الهادئ فيتحول الانبهار إلى توتر جسدي. ولكن، ماذا لو لم تكن هذه الظاهرة محض استجابة نفسية ظرفية؟ ماذا لو كانت، في عمقها، صدىً بعيدًا لشعور أقدم، مطبوعة في البنية الوجودية للإنسان منذ بداياته الأولى؟
يميل علم النفس العصبي إلى تفسير هذه المتلازمة كنتاج لاجتماع عوامل تتمثل في: الإرهاق والتوقعات المسبقة والحساسية الفنية العالية والفيض الحسي المفاجئ. قارن ذلك بما ذهبت إليه المقاربة الميتابايولوجية التي تنظر إلى الإنسان ككائن يحمل في بنيته آثار تحولات وجودية عميقة لا تُختزل بالبايولوجيا المحضة. فهذه المقاربة تقترح أفقًا أوسع قوامها أن الإنسان لا يتلقى الجمال بوصفه متعة فقط، بل بوصفه ذكرى بنيوية لما ينبغي أن يكون عليه العالم. وكلما اقترب المشهد الخارجي من مثالٍ أعلى يتمثل في تناسق شبه كامل وغنى بصري وإحساس بالكمال، انفتح في الداخل جرح المقارنة: بين ما يُرى الآن، وما يُفترض أنه الأصل. وبهذا المعنى، لا يكون الجمال حدثًا سطحيًا، بل محفزًا لإحياء إحساس دفين بالافتقار والشعور بالحنين الى ماضٍ موغلٍ في القدم هو العلة من وراء ما تشتمل عليه هذه المتلازمة من قدرة على تفجير مكامن الشعور بالحزن العميق.

تنطلق الفرضية الميتابايولوجية من تصور مفاده أن وعي الإنسان تشكّل على خلفية قطيعة كبرى تتجلى في انتقالة من حالة وجودية فائقة الانسجام إلى عالم الشقاء والكَدَح والحدود. في الذاكرة الرمزية الدينية للبشرية، تتجسد هذه القطيعة في قصة الهبوط من الجنة إلى الأرض، لحظة المقارنة الأولى بين عالم كامل لا عوز فيه، وعالم يتطلب الحرث والعمل والتألم والانتظار. فوفقاً لهذه القراءة، فإن مواجهة جمال استثنائي على الأرض، جمال يقترب ولو جزئيًا من صورة الكمال، قد توقظ ذلك التوتر الأصلي. ويمثل ذلك تذكيرًا صامتًا بأن هذا الكوكب، مهما بلغ من روعة، هو ليس الموطن الأول الذي يستجيب تمامًا لتوق الإنسان إلى الاكتمال. ففي فلورنسا، حيث تتراكم قرون العبقرية الفنية في مسافة بضع كيلومترات، لا يُصدم الزائر فقط بما يرى، بل بما يشعر أنه فقده دون أن يعرف كيف يسميه.
والآن، فإذا كان الجمال المعتدل يبعث السكينة، فإن الجمال الكثيف، وفق هذه الأطروحة، قد يعمل عمل الصدمة الوجودية. هنا يتحول الجسم إلى شاشة ارتدادية لوعي مأزوم. فالقلب يسرع كأنه أمام خطر غير مرئي والتنفس يضطرب كأن المكان أوسع من قدرة الرئتين والعضلات تتشنج كأنها تستعد لرحيل آخر. فهذه أعراض ليست مرضاً عضوياً، بل تعبيرات جسدية عن مقارنة كونية: بين أرض جميلة وجنة متخيلة (مستذكَرة) أكثر جمالًا.
تقترح هذه المقالة تسمية أوسع لِما تكشفه “متلازمة فلورنسا” صدمة كوكب الأرض؛ صدمة العيش في عالم جميل، لكنه غير كامل؛ صدمة السكن في طبيعة ساحرة، لكنها مشوبة بمشاهد الفناء والنقص والتعب؛ صدمة أن يُمنَح الإنسان قدرة تخيّل “المطلق” ثم يُلقى في “النسبي”.
وبهذا المعنى، تغدو المتلازمة عرضًا موضعيًا لمدينة بعينها، بينما العلّة أعمق. كيف لا، وهي تتمثل في حنين ميتافيزيقي مغروس في البنية البشرية منذ لحظة القطيعة الأولى مع عالم الكمال.
يتبين لنا، وبتدبر كل ما تقدم، أن “جمال فلورنسا”، وفق هذا التصور، ليست مصدر الألم، بل عدسته المكبّرة. إنها تكثيف أرضي نادر لما يمكن للجمال أن يبلغه هنا، على هذا الكوكب. وحين يقترب الإنسان من هذا الحد الأعلى، يهتز داخله ذلك القياس الخفي بين ما هو كائن، وما كان ينبغي أن يكون. وبذلك نخلص الى فرضية جذرية مفادها أن أوجاع “متلازمة فلورنسا” ليست طبية الأصل فحسب، ولكنها ميتافيزيقية الجذور، أما وأنها ارتدادات بعيدة لحزنٍ أولي، نشأ حين قورن عالم الأرض بجنةٍ فائقة الجمال، وغدا منذ ذلك الحين يسكن الوعي البشري في صورة شوقٍ لا يهدأ.

أضف تعليق