
هل هناك “خصوصيةٌ” لأدعيةِ الأنبياء الذين وردَ ذِكرُهم في القرآنِ العظيم تحول دون أن نتوجَّهَ إلى اللهِ تعالى بالدعاءِ بها؟ سؤالٌ يوجبُه تدبُّرُ الآيتَين الكريمتَين 23- 24 من سورةِ القصص، والتي تنتهي بدعاءٍ للنبي موسى يسأل اللهَ فيه أن يرزقَه كما كان يرزقه من قبل أن تضطرَّه الأحداثُ إلى مفارقةِ مصر: (وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ. فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ).
وما يجعل هذا السؤال مشروعاً هو أنَّ لسيدِنا موسى دعاء آخر، حفظته لنا سورةُ طه، لا يتعذر على متدبِّرِه أن يتبيَّنَ فيه “خصوصيةً” تجعل من العسيرِ على مَن يروم أن يدعوَ اللهَ تعالى به القيامَ بذلك. لنتدبَّر الآياتِ الكريمةَ التالية: (اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى. قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي. وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي. وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي. يَفْقَهُوا قَوْلِي. وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي. هَارُونَ أَخِي. اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي. وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي. كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا. وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا. إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا) (24- 35 طه).
فالنبي موسى ما دعا اللهَ تعالى بدعائه هذا إلا ليستعينَ بما سيُنعِم به اللهُ عليه من “خيرٍ” يُعينُه في تنفيذِ المهمةِ التي كلَّفه بها. هذا من ناحية، ومن ناحيةٍ أخرى فإنَّ “خصوصيةَ” هذاالدعاء الشريف تتجلى أيضاً في كونِه يشتمل على طلبِ النبي موسى من اللهِ تعالى أن يُصلِحَ له لسانَه، الذي كان قد أصابَه عطبٌ حالَ دون أن يفقهَ الناسُ ما يقول إذا ما تملَّكه الغضب: (قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ. وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُون) (12- 13 الشعراء).
و”خصوصيةٌ” أخرى بوسعِنا أن نتبيَّنها بتدبُّرِ طلب النبي موسى من اللهِ تعالى أن يُعينه بتأييدِه بأخيه هارون الذي كان أفصحَ منه لساناً، وأكثر قدرةً بالتالي على تبيانِ ما جاءا فرعونَ الطاغيةَ به. فهل تؤخذ هذه “الخصوصية”، بتجلياتِها العديدة، بعينِ الاعتبار قبل أن نسارعَ بالإجابةِ بالإيجاب على سؤال “هل يجوز لنا أن ندعوَ اللهَ تعالى بدعاءِ أنبيائه؟”.
إنَّ الإجابةَ على هذا السؤال تقتضي منا أن ندركَ أنَّ دعاءَ الأنبياء، وإن اشتملَ على “خصوصيةٍ” ميَّزت حالَ هذا النبي عن حالِ غيرِه من الأنبياء، فإنَّ الثابتَ هو ما بوسعِنا أن نستخلصَه من استعراضِ هذه الأدعيةِ كلِّها جميعاً ضمن سياقاتِها التي وردت بها في القرآنِ العظيم. فلن يتعذرَ على متدبِّرِ هذا القرآن أن يتبيَّنَ ما ينبغي، وما لا ينبغي، دعاءَ اللهِ تعالى به من هذه الأدعيةِ الشريفةِ المباركة؛ وهي أدعيةٌ إن جعلتها “خصوصيتُها” تبدو غيرَ مناسبةٍ لخصوصيةِ هذا أو ذاك من الذين يريدون أن يدعو اللهَ تعالى بها، فإنها تبقى، وبحكمِ قرآنيتِها، آياتٍ مباركةً كريمة تفيض على الإنسان بالسكينة وتعين العقلَ على مجابهةِ نزغِ النفس وهمزاتِ الهوى وكيدِ الشيطان وتشكيكِ المغرضين الذين في قلوبِهم مرض.
يتبيَّن لنا، وبتدبُّرِ كلِّ ما تقدم، أنَّ التوجُّهَ إلى اللهِ تعالى بدعاءِ أنبيائه الذين قصَّ علينا قصصَهم في قرآنِه العظيم، ينبغي أن يأخذَ بنظرِ الاعتبار “الخصوصيةَ” التي يشتمل عليها بعضُ دعائهم، وهو يدعو اللهَ تعالى بها.
