
وردت عبارة “جنة عدن” في العهدِ القديم، وفي سِفر التكوين منه تحديداً، وذلك في إشارةٍ إلى الجنةِ التي أسكنَ اللهُ آدمَ وزوجَه فيها، أما في القرآن، فلم يرِد أيُّ ذِكرٌ لـ “جنة عدن”. وفي المقابل، فقد وردَ في القرآنِ ذِكرٌ لجنةِ الآخرة بصيغةِ “جنات عدن”، وكما يبيِّنُه لنا تدبُّرُ الآيةِ الكريمة: (جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا) (61 مريم). فأيُّ التسميتَين هي الأصح “جنةُ عدن” أَم “جناتُ عدن”؟
لن يتأتى لنا أن نحظى بالإجابةِ الصائبةِ على هذا السؤال ما لم يتسنَ لنا أن نتبيَّنَ معنى الكلمة المشتركة بين هاتين العبارتين، وهي كلمةُ “عدن”. ويُعيننا على تبيُّنِ هذا المعنى أن نعملَ على تأثيلِ هذه الكلمة، وذلك بإرجاعِها إلى الجذر اللغوي الذي انبثقت عنه في رحلتِها التطورية منذ البدايات وحتى استقرت في اللغةِ العربية القديمة وأخواتِها اللاتي يشاركنها التأثيل ذاته. فكلمةُ “عدن” كانت في الأصل تُلفَظ “أَدم”؛ هذه الكلمةُ التي لا زال هنالك الكثير من المفردات اللغوية تدور في فلَكِ مجالِها اللساني، من مثل: دامَ، دائم، دوام، إدامة، دائماً، دوماً. يدوم، ديمومة. وبذلك يكون معنى “جنة عدن” هو “الجنةُ الدائمة”، ومعنى “جنات عدن” هو “الجنات الدائمة”.
والآن، هل كانت جنةُ عدن جنةً دائمة؟
لا يحتاج الأمر طولَ تفكيرٍ حتى نجيب بأنَّ الجنةَ التي أُخرِجَ آدم منها لم تكن “جنة عدن” بالمعنى الذي تبيَّنَ لنا أعلاه، والذي كانت بموجبِه لتكون جنةً دائمة. أما “جنات عدن”، والتي هي جنات الآخرة، فهي الجنات الدائمة التي وعد اللهُ عبادَه المتقين بأن يخلِّدَهم فيها أبدا: (جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا) (من 8 البيِّنة).
