
تكاد حادثة قتل ابن آدم لأخيه تحتل مكانتها في الوعي الديني والتاريخي لا لمجرد كونها أول جريمة في سجل البشرية فحسب، بل لأنها تكشف بصورة مكثفة ومخيفة عن بنية كامنة في النفس الإنسانية ستظل تعاود الظهور بأشكال لا حصر لها، وذلك من الاغتيال الفردي إلى الإبادة الجماعية، ومن الخصومات العائلية إلى الحروب العابرة للقارات. ومن هنا يمكن النظر إلى تلك الواقعة التأسيسية لا بوصفها واقعة منعزلة في زمن بدائي، بل باعتبارها النغمة الأصلية التي ستتفرع عنها لاحقًا آلاف التنويعات الدموية في تاريخ الإنسان.
فالجريمة الأولى تكشف عن انتقال خطير في طريقة التعامل مع الخلاف، فبدل أن يُعالَج التوتر بالحوار أو التفاوض أو قبول الاختلاف، جرى اختزاله في حل جذري واحد يتمثل في إلغاء الآخر جسديًا. وهذا التحول ليس تفصيلاً عرضيًا، بل يشير إلى لحظة يتغلب فيها الانفعال على التعقل، ويُختصر العالم الأخلاقي في معادلة صفرية: إما أنا أو هو. إما انتصاري الكامل أو زوال الطرف المقابل. ومنذ تلك اللحظة المبكرة، سيجد الإنسان في القتل، وعلى مر التاريخ، أقصر الطرق لإنهاء الخصومات حين تعجز اللغة، أو حين يُنظر إلى الآخر بوصفه تهديدًا لا شريكًا في الوجود.
فلو تأملنا الامتداد الجغرافي والزمني للعنف البشري، من الحروب القبلية الأولى إلى مذابح العصور الإمبراطورية، وإلى الحروب العالمية، وصولًا إلى ظواهر القتل الفردي المتسلسل، لأمكن القول إن ما نراه ليس سلسلة حوادث منفصلة، بل تكرارًا بنيويًا للمنطق ذاته. فإذا كانت أدوات القتل قد تغيرت من حجرٍ بدائي إلى سلاحٍ نووي، فإن البنية العميقة بقيت واحدة تتمثل في كون حل النزاع تقتضي الإزالة الجسدية للطرف الآخر. وبهذا المعنى، تبدو معظم المآسي البشرية وكأنها تعليقات طويلة على تلك اللحظة الأولى، أو تنويعات قاتمة على لحن قديم لم يفقد قدرته على العودة.
والآن، إذا ما قارنا هذا السلوك بما يجري في عالم الكائنات الأخرى، يبرز فرق لافت.
فالصراع في الطبيعة، رغم قسوته، يخضع غالبًا لقواعد وظيفية تتصل بالغذاء أو الدفاع أو التكاثر، ويظل محدودًا بضوابط تحفظ استمرار الجماعة الحيوية والتنوع البايولوجي. فنادرًا ما يتحول إلى إبادة منظمة أو قتل بدافع الانتقام الرمزي أو السعي إلى محو جماعة كاملة.
أما الإنسان فيبدو، وفق هذا المنظور، كائنًا خرج عن ذلك الانتظام يمارس العنف لا فقط بدافع البقاء، بل بدوافع أيديولوجية أو رمزية أو رغبة في الانتقام أو بدافع الإحساس بالإهانة أو التنافس على المعنى والهوية. وهنا يظهر وكأن الإنسان قد انفصل عن “اقتصاد الطبيعة” القائم على الحد الأدنى الضروري للصراع، وانتقل إلى منطق جديد يسمح بتضخيم العنف إلى حدود تتجاوز أي ضرورة حيوية.
في ضوء هذا التحليل، لا يعود القتل هو المشكلة الجذرية، بل هو العَرَض الأكثر تطرفًا لبنية أعمق: بنية نفسية-حضارية تميل إلى تضخيم الأنا، وتفسير الاختلاف بوصفه تهديدًا وجوديًا، وتحويل الخلاف الرمزي إلى مواجهة جسدية. فالجريمة الأولى، إذن، ليست مجرد فعل فردي خاطئ، بل إشارة مبكرة إلى خلل في علاقة الإنسان بذاته وبالآخرين وبالعالم من حوله؛ وهو خلل سيكبر كلما تعقدت الحضارات، وازدادت أدوات القوة، واتسعت المسافات بين القدرة التقنية والنضج الأخلاقي.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أنه إذا كانت البشرية قد عزفت طوال تاريخها على وتر العنف بوصفه حلًا نهائيًا للنزاعات، فإن السؤال الحاسم اليوم لم يعد تاريخيًا بل مستقبليًا مفاده “هل يستطيع الإنسان أن يتحرر من منطق “الجريمة الأولى”؟ وهل يمكن للحوار، والمؤسسات، والوعي الأخلاقي، أن يحل محل ذلك الميل البدائي إلى الإلغاء؟ أم أن الحضارة الحديثة بما تملكه من أدوات فتك غير مسبوقة، ليست إلا مسرحًا أوسع لتكرار النغمة ذاتها بصوت أعلى؟”.
إن قراءة الجريمة الأولى بوصفها لحظة تأسيسية لا تهدف إلى تثبيت اليأس، بل إلى تعرية الأصل. فما لم يُفهم هذا الجذر العميق في النفس البشرية، سيظل العنف يعود بأقنعة جديدة، وأسماء مختلفة، ورايات متبدلة، بينما يبقى اللحن هو ذاته.
