
رغم مرور أكثر من قرن على نضوج مدرسة اللسانيات الهندو-أوروبية، لا تزال القواميس الكبرى (مثل أكسفورد) تدرج آلاف الكلمات الإنجليزية والأوروبية تحت وسم “أصل مجهول”(Unknown Origin). هذا “الثقب الأسود” في التأثيل اللغوي يطرح تساؤلاً جوهرياً: هل العيب في تاريخ الكلمة، أم في الأدوات المنهجية التي ترفض النظر “خارج الصندوق” الهندو-أوروبي؟
إن المدرسة الهندو-أوروبية تتعامل مع اللغة كشجرة “مغلقة”؛ فإما أن يعود الجذر إلى “اللغة الأم” المفترضة (Proto-Indo-European) أو يظل “يتيماً”. هذا الإصرار المنهجي خلق قطيعة مع اللغة العربية، رغم أن الجغرافيا والتاريخ والتجارة بين حوض المتوسط وشمال أوروبا لم تكن يوماً منقطعة، ناهيك عما سبق هذه الرحلات التجارية من هجرات متعاقبة أوجبتها التقلبات المناخية التي شرعت تعصف بشبه الجزيرة العربية منذ أكثر من 12 ألف سنة.
إن الفشل في تأثيل كلمات مثل “Dog” أو “Bad” أو “Girl” وفق القوانين الصوتية الجرمانية (مثل قانون غريم Grimm’s Law) طوال مائة عام، هو مؤشر علمي على أن البحث قد ضل طريقه في العائلة اللغوية الخطأ.
فعند استعراض الكلمات “المجهولة الأصل”، نجد تقاربات مذهلة مع الجذور العربية، ليس فقط في الصوت بل في البنية المفهومية. وهنا تبرز الإشكالية. ففي ما يخص التشابه البنيوي، فإن اللغة العربية تمتلك نظام “الجذر الثلاثي” الذي يمكن أن يفسر تحولات لغوية ظلت غامضة في الإنجليزية. وفي المقابل، فإن المدرسة الهندو-أوروبية تلجأ أحياناً إلى فرضية “لغات الركيزة ” (Substrate languages) —،وهي لغات مفترضة مجهولة كانت موجودة، كما تزعم هذه المدرسة، قبل الهندو-أوروبية. فهذه اللغات لم يثبت لها وجود، وذلك على قدر تعلق الأمر بأي أدلة مكتوبة أو منقوشة أو مرسومة. قارن ذلك بإصرار هذه المدرسة على غض الطرف عن إمكانية أن تكون اللغة العربية القديمة هي الأصل الذي بالإمكان ردُّ كل هذه الكلمات مجهولة الأصل إليه.
والآن، ألا يحق لنا أن نتساءل عن العلة من وراء هذا الإصرار؟ يمكن إرجاع ذلك لسببين:
1. الصرامة المنهجية الزائدة؛ حيث أن القوانين الصوتية الهندو-أوروبية أصبحت “عقيدة” (Dogma) لا تسمح بالاعتراف بتبادلات لغوية لا تخضع لتلك القوانين الصارمة.
2. البعد الثقافي: فمن الناحية التاريخية، فإن اللسانيات المقارنة قد بُنيت في القرن التاسع عشر بصبغة قومية أوروبية، حاولت عزل “العبقرية اللغوية الأوروبية” عن التأثيرات الشرقية، وهو ما ينسحب أثره على الأكاديميا المعاصرة.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن بقاء آلاف الكلمات بلا أصل هو اعتراف ضمني بهزيمة مدرسة التأثيل الهندو-اوروبي. إن فتح الأبواب أمام التأثيل المقارن مع العربية ليس مجرد خيار بديل، بل هو ضرورة علمية لإعادة كتابة تاريخ اللغة البشرية. لقد آن الأوان لاستبدال وسم “مجهول” ببحث جاد يتقصى الروابط العميقة بين اللغة العربية والاصل الهندو-أوروبي كنسيج واحد لمغامرة الإنسان اللغوية التي ابتدأت مع رحلته حين وطأت قدماه هذه الأرض أول مرة.
