“مناطق الصمت” في العلم بعد التحويلة التطورية الأولى

لا يمكن فهم موقع العلم الحديث في الحضارة البشرية، ولا طبيعة المجهول الذي يتركه خلفه، من دون العودة إلى تلك اللحظة العميقة في التاريخ التطوري للإنسان التي تصفها الميتابايولوجيا بـ التحويلة التطورية الأولى، وهي اللحظة التي انفصل فيها الكائن البشري عن الانتظام السلوكي للطبيعة، لا بالقوة الجسدية ولا بالتكيف الغريزي، بل بتضخّم جهازه الرمزي المتمثل باللغة والتخطيط والتخيّل السببي وإعادة تركيب الواقع داخل الدماغ. وتلك التحويلة لم تُنتج فقط كائنًا أقدر على النجاة؛ بل أطلقت ديناميكية جديدة أكثر خطورة تتمثل في إحساس السيطرة المعرفية. فمنذ تلك اللحظة لم يعد الإنسان يكتفي بأن يعيش داخل الطبيعة، بل بدأ يتعامل معها بوصفها لغزًا ينبغي فكّه، ومسرحًا ينبغي إخضاعه، ونظامًا يمكن، نظريًا، إحاطته بالقوانين. فالعلم الحديث ليس إلا المرحلة القصوى من هذا المسار الطويل.
غير أن هذه القفزة المعرفية حملت في داخلها منذ البداية خللًا بنيويًا يتمثل في كون العقل الذي نشأ في بيئات البقاء البدائية، حيث كان التبسيط السريع، واليقين العملي، وبناء السرديات الحاسمة شروطًا للنجاة، دخل عالمًا بالغ التعقيد دون أن يتخلّى عن نزعاته الأولى. وهكذا نشأت فجوة بين قدرة التفسير وحجم الواقع. ومن هذه الفجوة وُلد ما يمكن تسميته بـ “الغرور المعرفي التطوري”.
في المنظور الميتابايولوجي، لا يُفهم العلم بوصفه انقطاعًا عن التاريخ البايولوجي للعقل، بل امتدادًا متراكمًا له. فالمختبر والمعادلة والنموذج الرياضي ليست سوى أدوات أكثر تطورًا لنفس الدماغ الذي تعلّم قديمًا أن يرى نمطًا في الضباب، وخطرًا في الحفيف، وسببًا واحدًا خلف حدث معقّد. غير أن هذا الدماغ، وقد صار قادرًا على تشييد نظريات كونية ظل يحمل ميوله القديمة المتمثلة في النزوع إلى الاختزال والبحث عن سبب واحد مهيمن وتحويل الاحتمالات إلى يقينيات والتعامل مع النماذج بوصفها الواقع ذاته. وحين يُضاف إلى هذه النزعات نجاح العلم الهائل في السيطرة التقنية على الطبيعة، يتشكّل وهم جديد يتمثل في كون العقل قادراً، من حيث المبدأ، على الإحاطة بكل شيء. وهنا يظهر الغرور المعرفي لا كعيب أخلاقي، بل كـ نتاج تطوري ثانوي unintended consequence للتحويلة التطورية الأولى.
فحين يعجز علم اللغة عن ردّ أصول عدد كبير من الكلمات، فإن هذا لا يشير فقط إلى نقص وثائقي، بل إلى حقيقة أعمق مفادها أن اللغة نفسها سبقت التاريخ المكتوب بعشرات آلاف السنين، وتكوّنت عبر احتكاكات بشرية كثيفة وانقراض جماعات واندماج ثقافات وانتقالات معرفية لا تترك دومًا آثارًا قابلة للاسترداد. غير أن العقل، وقد تعوّد بعد التحويلة التطورة الأولى أن يرى نفسه صانع الخرائط، يميل إلى التعامل مع هذه الفراغات بوصفها عيوبًا مؤقتة، لا مؤشرات على أن بعض المسارات الإنسانية قد تكون غير قابلة للاستعادة بالكامل.
وفي هذا الموضع تحديدًا يظهر توتر ميتابايولوجي يتمثل في أن العقل الذي نشأ ليبني سرديات منقذة في بيئة خطر، يواجه الآن تاريخًا لغويًا لا يسمح بسردية مكتملة. فيُحيّد الفراغ بدل أن يجعل منه مركز سؤال.
وينطبق الأمر ذاته على الطب. فالتصنيفات من قبيل “مجهول السبب” أو “متعدد العوامل” تكشف حدود قدرة النموذج البايولوجي السائد على الإمساك بجسم شديد التعقيد، تشكّل عبر ملايين السنين من الانتقاء، والطبقات الوراثية المتراكمة، والتفاعلات البيئية الدقيقة. أما في القراءة الميتابايولوجية، فإن الجسم لا يكون نظامًا هندسيًا صافياً، بل أرشيفًا تطوريًا فوضويًا، يحمل آثار حلول مؤقتة ومسارات فرعية وتعديلات لم تُصمَّم أصلًا لعمر طويل أو بيئة صناعية حديثة. غير أن العقل المتضخم بعد التحويلة التطورية الأولى يميل إلى افتراض أن كل شيء قابل للردّ إلى آلية واضحة إذا امتلكنا أدوات أدق. وحين يطول أمد العجز، تُدار الأعراض بدل تفكيك البنية. وهكذا يصطدم مشروع السيطرة المعرفية بجسم لم يُخلق ليكون شفافًا تمامًا للنماذج.
أما ما يُصنَّف تحت مُسمى “الظواهر الشاذة” أو “غير القابلة للتفسير”، فيقع في نقطة تماس حرجة مع التحويلة التطورية الأولى. فهذه الظواهر، سواء كانت إدراكية أو سلوكية أو طبيعية، غالبًا ما تكون نادرة إحصائيًا أو شديدة التعقيد أو غير قابلة للتكرار المخبري أو متعددة المتغيرات. وهي شروط تصطدم مباشرة مع أدوات العلم المصممة لاصطياد الأنماط المستقرة.
أما في المنظور الميتابايولوجي، فإن السؤال: هل هذه الظواهر حقيقية أم لا؟ فإنه لا يطرح، بل: هل أدمغتنا، التي تطورت في سياقات بقاء محدودة، مهيأة أصلًا للتعامل مع كل مستويات التعقيد التي يكشفها الكون؟ وهنا يعود الغرور المعرفي المتمثل في أن افتراض أن ما لا نعرفه اليوم يجب أن يُختزل غدًا داخل النموذج نفسه، بدل التساؤل عمّا إذا كان النموذج يحتاج إلى تحوّل جذري.
وفي هذا الإطار، لا يبدو الغرور المعرفي نزوة ثقافية حديثة، بل استمرارًا ميتابايولوجيًا لتلك القفزة الأولى التي جعلت الإنسان يرى نفسه خارج الطبيعة، لا داخلها. فبعد التحويلة التطورية الأولى، صار العقل مركز الكون التفسيري وتحوّلت النماذج إلى بدائل عن الواقع وغدا المجهول إزعاجًا لا مجالاً بحثياً مشروعًا وأصبحت المعرفة أداة هيمنة لا مجرد فهم. إن العلم، في أنقى صوره، يحاول مقاومة هذا الميل عبر الشك المنهجي والتجربة، لكن الخطاب المحيط به كثيرًا ما يعيد إنتاج نزعة السيادة القديمة نفسها التي ورثناها تطوريًا، مع كل ما نجم عن التحويلة التطورية الأولى من طغيان لهذه السيادة بأكثر مما تقتضيه المصلحة التطورية.
إن هذه المقالة لا تدعو إلى هدم العلم، بل إلى إدخاله داخل تاريخه التطوري الخاص وذلك بأن نراه لا كعين مطلقة، بل كنتاج دماغ له ماضٍ بايولوجي، ومحدوديات بنيوية، ونزعات سيادية تشكّلت قبل أن تولد الفيزياء أو المختبرات بآلاف القرون. فإذا كانت التحويلة التطورية الأولى قد منحت الإنسان القدرة على بناء العالم الرمزي، فإن المرحلة المقبلة من تطوره المعرفي قد لا تكون في تضخيم أدوات السيطرة، بل في إعادة هندسة العلاقة بين العقل والمجهول.
فالسؤال إذًا ليس: متى سيعرف العلم كل شيء؟
بل: هل يستطيع العقل، وقد تعلّم أخيرًا قراءة تاريخه التطوري، أن يكبح غروره ويعيد الاعتبار للمناطق التي لم تُخلق أصلًا لتكون شفافة له؟

أضف تعليق