العالَم الذي لا يريد العِلم أن يُقر بوجوده

لطالما قُدِّم العلم الحديث بوصفه الطريق الأوثق، بل الوحيد، نحو معرفة الحقيقة، والوسيلة التي ستُمكِّن البشرية يومًا من فكّ جميع ألغاز الإنسان والطبيعة والكون. ومنذ قرون، رسّخ الخطاب العلمي المتفائل صورة مشروعٍ معرفيّ يتقدّم بثبات ويبدّد الخرافة ويُزيح الغموض ويستبدل الأسطورة بالقانون، والحدس بالتجربة، والجهل بالتفسير. غير أن التاريخ الطويل للبحث العلمي، حين يُقرأ قراءة هادئة لا احتفالية، فإنه يُظهر وجهًا آخر أقل صخبًا هو وجه المناطق المؤجلة، أو ما يمكن تسميته بـ الفراغات البنيوية في خريطته المعرفية. مناطق لا ينكرها العلماء تمامًا، لكنهم كثيرًا ما يحيّدونها نظريًا، أو يضعونها في الهوامش، أو يُدرجونها تحت عناوين عامة من قبيل “غير معروف بعد” أو “قيد البحث” أو “ظواهر شاذة” أو “حالات نادرة”.
إن السؤال التالي، والذي تطرحه هذه المقالة، غير معادٍ للعلم، ولكنه يشكل له مصدرَ إحراجٍ كبير. وبإمكاننا صياغة هذا السؤال كما يلي: هل يكفي الاعتراف اللفظي بالمجهول؟ أم أن بعض أشكال الغموض تتعرّض بفعل آليات داخلية في مؤسسة العلم نفسه إلى تأجيل منهجي طويل الأمد يكاد يتحوّل إلى شكل من أشكال التغافل المعرفي؟
والآن، لنستعرض بعضاً من “المناطق” التي يُصر العلم على تأجيل التعامل المعرفي معها، أو قل على تفاديها والحيود عن مسارها، حتى ولو انتهى به الأمر الى نسيانها. فمن هذه المناطق التي يتجاهل العلم أخذها بنظر الاعتبار:
1. اللغة:
إن معظم لغات البشر تضم آلاف المفردات التي يعجز علم التأثيل اللغوي عن إرجاعها إلى أصول يقينية. تُدرج هذه الكلمات في المعاجم عادة تحت عبارات مقتضبة: “أصل غير معروف” أو “اشتقاق غامض” أو “مصدر محتمل” أو “اقتراض غير محدد”. غير أن هذا العجز، حين يتكرر بهذا الاتساع، يتجاوز كونه تفصيلًا تقنيًا. فاللغة ليست زينة ثقافية على هامش الحضارة؛ إنها الأداة الأولى التي صاغ بها الإنسان عالمه، وفكّر عبرها، ونقل خبرته عبر الأجيال. فإذا كان نسب عدد كبير من الكلمات يظل معلقًا في الفراغ التاريخي، فذلك يعني أن أجزاء من المسار الثقافي للبشرية لا تزال غير مرئية في السجل العلمي.
المثير للانتباه أن هذا النوع من الغموض لا يحظى غالبًا باهتمام معرفي موازٍ لحجمه الحقيقي. فهو يُعامل كأمر عادي، وكأن وجود فجوات كبيرة في تاريخ المفردات الإنسانية لا يستحق أكثر من هامش صغير في المعجم، مع أن تلك الهوامش قد تخفي وراءها مسارات هجرة، وتلاقح ثقافات، وطبقات من التاريخ الفكري لم تُستعد بعد.
2. الأمراض البشرية:
في ميدان الطب، تتكرر ظاهرة مشابهة على نحو مختلف؛ حيث نجد ان عدداً غير قليل من الأمراض يُصنَّف بوصفه “مجهول السبب” أو “متعدد العوامل المسببة للمرض” دون قدرة على تحديد آلية سببية واضحة تحكم نشأته.
صحيح أن هذا الاعتراف يُظهر تواضعًا علميًا محمودًا، لكنه يكشف في الوقت نفسه عن حدود النموذج التفسيري السائد. فحين يطول مقام “السبب المجهول” لعقود، يصبح من المشروع التساؤل:
هل تكمن المشكلة في نقص البيانات فقط؟ أم في ضيق الإطار النظري الذي تُقرأ ضمنه الظاهرة البايولوجية؟
وكثيرًا ما تُعالَج هذه الحالات عبر إدارة الأعراض بدل فهم الجذور، فيتحوّل الجسم إلى ساحة تدخل تقني متزايد، بينما تبقى الخلفيات العميقة، الوراثية المعقّدة والبيئية والعصبية والنفسية أو التفاعلات الدقيقة بينها، غير ممسوكة بنظرية جامعة.
3. الظواهر الغامضة:
إلى جانب اللغة والطب، تمتد قائمة الظواهر التي يصعب إدراجها بسهولة في قوالب التفسير العلمي السائد. وتشتمل هذه الظواهر على: حالات إدراكية غير مألوفة، أو استجابات جسدية استثنائية، أو أنماط سلوك نادرة في الطبيعة، أو وقائع تُخالف التوقعات الإحصائية المعتادة. وغالبًا ما تُدفع هذه الوقائع إلى أطراف المشهد المعرفي عبر تسميات غير محددة المعنى؛ وذلك كما يلي: “ظواهر غير مفسّرة”، أو “حالات شاذة”، أو “ادعاءات غير مؤكدة”، أو “مجالات هامشية”. وهذه التسميات، بالرغم من ضرورتها المنهجية أحيانًا، فإنها قد تؤدي وظيفة مزدوجة: فهي تحمي العلم من التسرّع، لكنها في الوقت ذاته تُحيّد الأسئلة بدل تعميقها. وهنا يظهر توتر دقيق في قلب المشروع العلمي نفسه؛ فالعلم يقوم على ما يمكن اختباره وتكراره وضبطه تجريبيًا، ولكن بعض الظواهر، بحكم طبيعتها النادرة أو المركّبة، تفلت من شروط المختبر دون أن تختفي من الواقع، فهل يُعدّ ذلك عيبًا في الظاهرة، أم في الأدوات المفهومية التي نستخدمها لفهمها؟
والآن، لابد من أن نسأل السؤال التالي: هل يتجاهل العلم المجهول، أم يعجز عن احتوائه؟ من السهل الوقوع في خطاب اتهامي مباشر يقول أن العلم “يتعمّد” الإغفال. غير أن الصورة الأكثر تركيبًا تشير إلى آليات أعمق؛ حيث أن المؤسسات البحثية تميل، بحكم التمويل والنشر والتقييم الأكاديمي، إلى دعم الأسئلة القابلة للحل ضمن الأطر القائمة، وليس تلك التي تهدد هذه الأطر من جذورها. وبهذا المعنى، قد لا يكون التجاهل فعلًا واعيًا، بل نتيجة بنيوية لطريقة تنظيم المعرفة البشرية نفسها. إن الأسئلة التي تتطلّب ثورات مفهومية كبرى في اللغة أو الطب أو فهم الوعي والطبيعة، تتقدم ببطء شديد، لأنها لا تتلاءم بسهولة مع مقاييس “الإنتاج العلمي” المعتادة.
إن ما تقدم تبيانه وتفصيله من ملاحظات نقدية لا تقود إلى إنكار قيمة العلم، بل إلى إعادة وضعه في حجمه الحقيقي: مشروع إنساني جبّار، لكنه غير مكتمل، ومحكوم بتاريخ أدواته ونماذجه، ومصالح مؤسساته، وحدود عقول من يمارسونه. إن الاعتراف الجذري بالمجهول، لا بوصفه مرحلة عابرة، بل عنصرًا دائمًا في المشهد المعرفي، قد يكون شرطًا لتقدّم أعمق، وليس علامة ضعف. فالتاريخ العلمي نفسه يبيّن أن أكبر الانقلابات المعرفية تأثيراً لم تنشأ من الإجابات السائدة، بل من تراكم الأسئلة التي بدت يومًا غير ملائمة أو محرجة أو “خارج البرنامج البحثي”.
يتبين لنا، وبتدبر كل ما تقدم، أن المشكلة المعرفية التي يتعين على العلم الإقرار بوجودها في صلب بنيانه المؤسسي أو على نطاق الأفراد الذين يُصنَّفون عادة بأنهم طليعته ورواده، لا تكمن في حقيقة كون العلم لا يمكن أن يحيط علماً بكل شيء، ولكن في تلك “النزعة الخطابية” التي يتعذر عليه أن يحيا من دونها، والتي تنزع الى إدامة الفكرة السائدة بشأنه من أنه آلة كونية محيطة بكافة تفاصيل الوجود، قادرةٌ في النهاية على تفسير كل شيء بلا استثناء. غير أن الوقائع الممتدة عبر اللغة والطب والظواهر الطبيعية والإنسانية، تشير إلى صورة أكثر تعقيدًا. صحيحٌ أن بإمكاننا أن نرسم مخطط إنجازات تبين ما تأتى للعلم القيام به على مدى التاريخ البشري المكتوب، ولكن هذه الإنجازات لا ينبغي أن تنسينا تلك “الجزر الغامضة” والمساحات الشاسعة من “الأراضي المجهولة” و”البحار” التي لا يزال العلم عاجزاً عن وضعها في موضعها الصحيح على خارطة العالم. ففي تلك “الجزر الغامضة” و”الأراضي المجهولة” و”البحار” التي لم يتم رسمها بعد ما هو كفيل بتحديد مستقبل العلم، بل قل مستقبل البشرية جمعاء.

أضف تعليق