بين “جهنم” و”الجحيم”… دراسة في التمايز الدلالي في لسان القرآن العربي المبين

اعتاد كثير من القرّاء التعامل مع أسماء النار في القرآن الكريم بوصفها مترادفات تؤدي المعنى نفسه دون فرق جوهري، غير أن التدبّر الدقيق للنص القرآني يكشف عن شبكة دقيقة من التخصيصات الدلالية التي يصعب ردّها إلى مجرد تنويع أسلوبي. فالقرآن، في بنائه الخطابي، لا يكدّس الألفاظ اعتباطًا، بل يوزّعها وفق وظائف تصويرية وعقدية وسياقية محددة. ومن هذا المنطلق، يثير التمييز بين لفظتي “جهنم” و”الجحيم” سؤالًا مشروعًا: هل نحن إزاء اسمين لمعنى واحد، أم أمام مستويين دلاليين مختلفين يشتركان في مجال النار والعذاب دون أن يتطابقا تمامًا؟
تنطلق هذه المقالة من منهج يقوم على تتبّع الإيراد القرآني لكل لفظة في مواضعها المختلفة، بدل الاكتفاء بما تورده المعاجم أو التفاسير التقليدية من تعريفات عامة. وهو منهج قريب مما سلكته الدكتورة عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ) في دراساتها البيانية، حيث أكّدت أن الكلمة القرآنية لا تُفهم على وجه الدقة إلا عبر استقاء ورودها في النص الكامل، وليس من خلال إسقاط دلالات معجمية جاهزة عليها. وبناء على هذا المنهج، يصبح السؤال المركزي: كيف ترد كلمة “جهنم” وكلمة “الجحيم” في النص القرآني الكريم؟ وفي أي السياقات ترد كل واحدة منهما؟
يكشف الاستقصاء أن لفظة “جهنم” ترتبط في جميع مواطن ورودها في القرآن بمشهد الآخرة: الحساب، والجزاء، والمصير النهائي، والاستقرار الأبدي في العذاب. فهي تأتي مقرونةً بتعابير من قبيل “ساءت مستقرًا ومقامًا”، أو متعلّقةً بالطغاة والكافرين والمنافقين بوصفها مأواهم الأخير. ولا تظهر اللفظة في سياق سردي يحيل إلى نار دنيوية.
إن هذا الثبات السياقي يمنح “جهنم” وظيفة دلالية قريبة من التعيين الاسمي؛ فهي ليست مجرد وصف لنار شديدة الاشتعال، بل تسمية مخصوصة لبنية أخروية كاملة، ذات نظام عقابي ووجودي متكامل في التصوير القرآني.
أما لفظة “الجحيم”، فإنها تمتلك مجالاً دلالياً أوسع؛ حيث أن جذرها اللغوي في العربية يحيل إلى شدة الإستعار والاتقاد والاضطرام، وهو ما يجعلها أقرب إلى توصيف حالة النار نفسها أكثر من كونها تسمية لكيان بعينه. ولذلك ترد اللفظة غالبًا في سياق أخروي، كما في الدعاء بالوقاية من “عذاب الجحيم”. كما أن لفظة “الجحيم” قد وردت، مرة واحدة، في القرآن العظيم في سياق موصول بهذه الحياة الدنيا، وذلك عند حديث الله تعالى عما لاقاه النبي إبراهيم على يد قومه الذين أوقدوا له ناراً عظيمة، لكأنها الجحيم ثم ألقوه فيها. ولقد سمى الله تعالى تلك النار بـ “الجحيم” تبياناً لضخامتها وعظمتها.
وبذلك يتبين لنا أنه وبينما ترد كلمة “حهنم” في القرآن العظيم بمعنى نار الآخرة، وذلك في جميع مواطن ورودها، فإننا نجد أن كلمة “الحجيم” قد وردت بمعنيين اثنيين يتعلق أحدهما بنار دنيوية، بينما يتعلق الآخر بنار الآخرة.

أضف تعليق