من دلالاتِ قَولِ اللهِ تعالى “قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ”

لنتدبَّر قَولَ اللهِ تعالى “قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ” في الآيةِ الكريمة 3 من سورةِ التحريم: (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ). ألا يشير قولُ اللهِ تعالى هذا إلى أنَّ هنالك “إنباءً”، غيرَ القرآن العظيم، تلقاه النبي محمد صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم من ربِّه ولم يأمره بتضمينِه في قرآنِه العظيم؟
إن هذه الحقيقة، التي كشف النقابَ عنها تدبُّرٌ متأنٍّ متمهِّل للنَصِّ القرآني الكريم، قد فات الكثيرين تبيُّنُها، وذلك بسببٍ مما جُبِلَ عليه الإنسان من تعجُّلٍ في الوصولِ إلى النتائج، وتسرُّعٍ في حرقِ المراحل والقفزِ إلى الغايات من دونِ استيفاءِ ما تقتضيه كلُّ مرحلةٍ من مراحلِ الاستبيان من تمهُّلٍ وتروٍّ في قطعِ كلِّ مرحلةٍ وفقاً لما توجبُه من ضروراتِ الفهمِ والتبيُّن. أضف إلى ذلك “الحساسيةَ الشديدة” التي ينطوي عليها الموضوعُ الذي تتحدث عنه هذه الآيةُ الكريمة التي لا يبالغ المرء إذا ما قال فيها إنها قلب هذه السورةِ الشريفة (سورة التحريم). فالمتدبِّر في آياتِ سورةِ التحريم، ابتداءً بآيتِها الأولى وانتهاءً بآخرِ آيةٍ منها، لن يعسرَ عليه أن يتبيَّنَ “الوحدةَ الموضوعية” التي تتكاملُ آياتُها وتتظافر في نسجِها لكأنها جملةٌ قرآنيةٌ واحدة.
إنَّ هذا الذي تكشَّف لنا، بتبيُّنِ الحقيقة التي مفادها أنَّ القرآنَ العظيم لا يشتملُ على كلِّ ما تلقاه النبي محمد صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم من اللهِ تعالى وأنَّ هنالك أنباءً من اللهِ تعالى لم يصرِّح بها رسولُ الله صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم، لَيوجِبُ علينا أن نعيدَ قراءةَ، ومن ثم كتابة، الكثير مما وقرَ لدينا على أنه السرديةُ الوحيدة التي تمثل الوصفَ الكامل لِما كان بين اللهِ ورسولِه صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم من علاقةِ صِلةٍ وتواصلٍ واتصال، الأمرُ الذي يفتح البابَ واسعاً أمام الدعوة لتقبُّل، ومن ثم تفهُّم، ما دأب على الإشارةِ إليه الصوفيةُ وأهلُ العرفان من أنَّ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم حقيقةً، سمَّوها “الحقيقةَ المحمدية”، وأنَّ هذه الحقيقة لو كان اللهُ تعالى يريد أن يفصحَ لنا عنها لَما حجبَها عنا قرآنُه العظيم.

أضف تعليق