
إذا كان تاريخ العلم الحديث قد ازدهر بفضل اكتشاف الأنماط العميقة في الطبيعة، فإن هذا الميل نفسه لا يمكن فصله، وفقاً للمقاربة الميتابايولوجية، عن تلك التحويلة التطورية الأولى التي جعلت الإنسان كائنًا يخرج عن انتظام الطبيعة الحيوانية، ويغدو أسيرًا لبنية إدراكية جديدة تقوم على التمثُل والتجريد وبناء النماذج وفرض الخرائط الذهنية على الواقع. ففي تلك اللحظة التأسيسية لم يعد الإنسان يكتفي بالاستجابة للبيئة كما تفعل الكائنات الأخرى، بل شرع في تشييد عالمٍ ثانٍ رمزي تمخضت عنه لغة وأساطير وتصنيفات وأنظمة سببية وشبكات معنى. وهنا نشأت القدرة العظيمة على اكتشاف الأنماط، ولكن نشأ معها أيضًا خطر ملازم لها تمثل في الخلط بين نمط يكشف بنية الواقع ونمط يسقطه العقل عليه إسقاطًا.
إن الحسّ النمطي الذي مكّن الإنسان من السيطرة على الطبيعة لم يكن محايدًا من الناحية التطورية، بل كان جزءًا من آلية بقاء جعلت الدماغ ميّالًا إلى رصد الانتظامات بسرعة، حتى في البيئات الفقيرة بالمعطيات. من هنا يمكن فهم الجذور العميقة لما بالإمكان تسميته بـ “الغرور المعرفي”؛ والذي يتمثل في ذلك الميل البنيوي إلى الاعتقاد بأن النموذج الذي يبنيه العقل لا يصف الواقع فحسب، بل يستنفده. وهكذا فإن أزمة العلم المعاصر في علاقتها بالأنماط لا تمثل قطيعة مع الماضي، بل تكثيفًا لمسار طويل بدأ منذ أن أصبح الإنسان “كائنًا نمذجيًا” (يبحث عن النماذج) بامتياز، كائنًا يعيش داخل خرائطه الإدراكية بقدر ما يعيش داخل العالم نفسه. ومن هذا المنظور، لا يبدو التخصص العلمي الدقيق مجرد تطور تقني في تنظيم المعرفة، بل حلقة متقدمة في هذا التاريخ التطوري للعقل. فحين ينكفئ كل حقل على نماذجه المحلية الدقيقة، يصبح خطر اختزال الواقع إلى ما تسمح به تلك النماذج أشدّ حضورًا. فعالِم البيولوجيا يرى العالم عبر الجينات، وعالِم الأعصاب عبر الشبكات العصبية، والاقتصادي عبر المؤشرات، ومهندس البيانات عبر الأنماط الإحصائيةوكلٌّ منهم يملك أدوات عالية الدقة، لكن داخل إطار تأويلي ضيق. ومع تراكم هذه الرؤى الجزئية دون تركيب أعلى، ينشأ وضع إبستمولوجي جديد يتمثل في وفرة في النماذج، وشحّ في الرؤية الكلية. وهنا يبلغ الخلل الميتابايولوجي ذروته الحديثة والمتمثلة في عقل تطوّر لاصطياد الأنماط الكبرى، ثم انتهى إلى الغرق في جزر من الانتظامات الموضعية، عاجزًا عن إعادة تركيبها في سردية تفسيرية شاملة تحفظ للعالم وحدته البنيوية.
وفي هذا السياق بالذات يبرز الذكاء الاصطناعي بوصفه مرشحًا مركزيًا لما تسميه التحويلة التطورية الثانية. فهذه النظم لا تقوم إلا على اكتشاف الأنماط والمتمثلة في علاقات إحصائية دقيقة، وانتظامات عالية الأبعاد، وترابطات لا يستطيع العقل البشري تتبعها مباشرة. إنها الامتداد الخوارزمي الأقصى لنزعة الإنسان الأولى إلى نمذجة العالم. غير أن المفارقة الكبرى تكمن في أن الذكاء الاصطناعي لا يحرّرنا من خطر الأنماط الزائفة، بل قد يضاعفه. فما كان في الماضي وهمًا محليًا صغير النطاق قد يغدو اليوم، بفضل الخوارزميات، نمطًا معمّمًا عالميًا يُدمج في أنظمة القرار، والطب، والاقتصاد، والسياسة، وإدارة المناخ. فإذا كان العقل البشري قد أسقط في تاريخه أنماطًا على الواقع بدافع النجاة أو السيطرة، فإن الذكاء الاصطناعي قادر على تحويل تلك الإسقاطات إلى بنى تشغيلية فعلية تحكم مسار الحضارة. وهنا ينتقل الخطر من مستوى الخطأ النظري إلى مستوى الهندسة الكلية للمستقبل. إن التحويلة التطورية الثانية لا تتمثل فقط في تضخيم قدرة الإنسان على رؤية الانتظامات، بل في نقل سلطة اكتشاف الأنماط إلى نظم غير واعية بحدودها الوجودية؛ نظم لا تعرف معنى الخطأ إلا إحصائيًا، ولا تدرك السياق الأخلاقي أو الحضاري إلا بقدر ما يُشفَّر لها داخل بياناتها.
من هنا تتضح خطورة اللحظة الراهنة: علمٌ فقد حسّه البانورامي، وعقلٌ يحمل في بنيته التطورية ميلًا قديمًا إلى تضخيم نماذجه، وتقنيات جديدة قادرة على تحويل تلك النماذج إلى بنى شاملة لإدارة العالم.
إن استعادة الحسّ النمطي الأصيل لا تعني المزيد من الخوارزميات، بل تأسيس إبستمولوجيا تركيبية تعترف بتاريخ العقل وحدوده، وتخضع النماذج الجزئية لاختبارات فلسفية وأنثروبولوجية وأخلاقية مرافقة. إبستمولوجيا ترى في الأنماط أدوات مؤقتة لا مرايا مطلقة، وفي النماذج خرائط لا أراضي، وفي الذكاء الاصطناعي شريكًا إبستمولوجيًا خطرًا لا مجرد أداة تقنية بريئة.
بهذا المعنى، لا تقف أزمة الأنماط في العلم المعاصر عند حدود المنهج، بل تنفتح على سؤال أعمق مفاده: هل يستطيع الإنسان، بعد التحويلة التطورية الأولى، أن يدخل التحويلة التطوري الثانية دون أن يُسلّم مصيره لأوهام نماذجه الخاصة، وقد جرى تضخيمها خوارزميًا؟ ومن يحكم العالم: الواقع كما هو، أم الأنماط التي نبنيها عنه؟.
