
إن مصطلح “سوبر-بيولوجيا” قد يوحي بأن الإنسان لا يزال ضمن المسطرة البايولوجية لكنه في أعلاها. وهذا يتعارض مع ما تطرحه هذه المقالة من أن الإنسان “كائن مخلوع” من سياقه الطبيعي. فالحيوان، يعيش في الطبيعة، منسجماً مع غرائزه، وهشاشته تنتهي بموته الفيزيائي. أما الإنسان، فإنه يعيش متعارضاً مع الطبيعة. فلقد أحدث وعيه “فجوة” جعلته يرى الطبيعة كموضوع، ويرى نفسه غريباً عنها. هذه “التحويلة التطورية الاستثنائية” هي التي حولت “أداة البقاء” (العقل) إلى “سجن وجودي”.
وهنا يجري الحديث عن اللحظة التي التفت فيها الوعي البشري إلى الوراء ليرى جسده (مادته) كشيء منفصل عنه. فالمأزق الوجودي (The Human Condition)، والذي نعاني منه كلُّنا جميعاً، نابع من كوننا نملك تطلعات “لامتناهية” (فوق بايولوجية) محبوسة في وعاء متناهٍ وهش (بايولوجي).
إن الطبيعة لا تعرف “القلق” و “الملل” و “البحث عن المعنى”، وهذه “الأعراض” هي بصمات خروجنا على النسق. فنحن الكائن البايولوجي الوحيد الذي يرفض أن يكون مجرد “كائن” فحسب!
إن هذه الهشاشة التي نناقشها تجعل من “الحال الإنساني” حالة من الأزمة المستمرة. وقد يعترض معترض فيقول إننا لسنا “مأزومين” لأننا فشلنا في التكيف، بل لأننا نجحنا في التكيف لدرجة أننا تجاوزنا حدود التكيف البايولوجي، وبدأنا نسأل: “لماذا نتكيف أصلاً؟” وهذا كلام يدحضه الحال الإنساني نفسه بكل ما هو عليه من قصور بايولوجي وتخلف فسيولوجي واختلال سايكولوجي.
إن ما نحن عليه كبشر هو “ما قبل” الخروج الكبير Great Exdus الذي لا يمكن لعلم الأنثروبولوجيا التقليدي أو البايولوجيا الجزيئية الإجابة عليه، لأنه سؤال “الخارج على النسق”. فالإنسان هو الكائن البايولوجي الوحيد الذي بمقدوره أن “يصنع” ذاته، وذلك لانه ليس له مكان بعد في عالم سبق وأن خرج عليه. ولذلك فإن الانسان مضطر لا محالة، أما وأنه عند مفترق طرق تطوري-ارتكاسي، أن يختار بين ما سينتهي به الى عودة الى ما كان عليه يوماً “أحسن تقويم” أو أن يختار ما سيرتد به الى “أسفل سافلين”.
