
ما الذي كان سيحدث للعالَم لو أنَّ الولايات المتحدة بقيت الدولةَ الوحيدة التي بحوزتِها أسرار السلاح الذري؟ سؤالٌ افتراضي سوف تكشف الإجابةُ عنه النقابَ عن كثيرٍ من الحقائق الصادمة. وهذه الحقائق، على غرابتِها وفجاجتِها وقدرتِها على تبيان حقيقتِنا كبشر ضَعفُنا أقوى بكثيرٍ من قوتِنا، غيرُ قابلةٍ للتشكيكِ في صحتِها إن نحن التزمنا بقراءةٍ موضوعيةٍ محايدة للتاريخِ السياسي والعسكري لأمريكا منذ السادس من أغسطس 1945، يوم ألقى سلاح الجو الأمريكي القنبلةَ الذريةَ الأولى في التاريخ على مدينةِ هيروشيما اليابانية، وحتى يومِنا هذا. فهكذا قراءة سوف تتيحُ لنا أن نجزمَ، من دون أيِّ تردد، بأنَّ ما من شيءٍ كان ليحولَ خاتمةَ المطاف دون أن يُصدرَ صانعُ القرارِ الأمريكي أمرَه بأن تُلقى قنابلَ ذريةٍ أخرى على أيِّ دولةٍ في العالَم استعصى عليه أمرُ تطويعِ إرادةِ رئيسِها لتتماشى مع إرادتِه. ولنا أن نتخيَّلَ عالَماً تتنازعه أهواءُ ساكني البيت الأبيض الفائزين في الانتخاباتِ الرئاسية، وكيف كان سيبدو حالُه!
إنَّ ما تقدَّم ذِكرُه هو توطئةٌ تُعينُنا على إعادةَ النظر في القرارِ الذي كانت قد أصدرته محكمةٌ أمريكية على الزوجَين روزنبرغ بعد إدانتِهما بتسريبِ أسرار السلاح الذري الأمريكي إلى الاتحادِ السوفيتي بعد الحربِ العالميةِ الثانية. فلو لم يقم هذان المواطنان الأمريكيان بما قاما به، لما أصبح الاتحادُ السوفيتي قوةً ذرية هو الآخر، ولما تشجَّعَ آخرون وأخريات على المضي قدماً في تسريبِ هذه الأسرار إلى دولٍ أخرى، ولكان العالَمُ قد أصبح خرائبَ مهجورة!
وبعد هذا كلَّه، أفلا ينبغي أن يُعادَ النظرُ في تعريفِ الوطنية، فتُجرى محاكمةٌ افتراضية للرئيس هاري ترومان الذي أصدرَ قرارَ إلقاء القنبلة الذرية على اليابان؟ ومَن كان ليصبحَ، بعد هذه المحاكمة، الوطني الحقيقي: الذي أصدرَ الأمرَ بإلقاءِ القنبلة الذرية، أم مَن قام بما قام به ليحولَ دون أن تنفردَ الولاياتُ المتحدة بالخيار الذري؟
إنَّ ما قام به الزوجان روزنبرغ ينبغي أن يُقرأ في سياقٍ ذي صلة بالوطنية “المبصِرة” التي إذ تنظر لمصلحةِ الوطن فإنها لا تسعى لجعلِ هذه المصلحة رهناً بأهواء سياسيين ليس هناك ما يشغلُ بالَهم غيرُ الفوز بولايةٍ رئاسيةٍ ثانية. إن الوطنيةَ المبصرة هي التي تأخذ بالاعتبار “المصلحة العليا” للإنسانيةِ جمعاء، الأمر الذي فيه المصلحة العليا للولايات المتحدة نفسها..
