
منذ القرن التاسع عشر، وبعد الصعود الهائل لنظرية التطور، نشأت قناعة معرفية واسعة مفادها أن الإنسان لا يختلف من حيث المبدأ عن بقية الكائنات الحية، بل يمثل حالة متقدمة من التنظيم البايولوجي تخضع، في تفسيرها، لنفس الآليات التطورية المتمثلة في الانتخاب الطبيعي والتكيّف والصراع على البقاء والاقتصاد الطاقي. وقد اتخذت هذه القناعة شكلين رئيسيين:
1. الداروينية الاجتماعية: التي فسّرت السلوك الإنساني بوصفه امتدادًا مباشرًا لاستراتيجيات البقاء والتكاثر.
2. الأنثروبولوجيا الثقافية التطورية: التي رأت الثقافة نفسها كطبقة تكيفية فوق-بايولوجية أنتجتها ضغوط البيئة (المجتمع)
غير أن هذا الإطار، رغم قوته التفسيرية في نطاق واسع من الظواهر الحيوية، يواجه مأزقًا بنيويًا حين يُطبَّق على الإنسان بوصفه كلاًّ متكاملاً. فكلما توسّع البحث في الإنسان، ازداد حجم ما لا يمكن تفسيره بوصفه “تكيفًا”. وهنا يظهر السؤال الحاسم: هل فشل التفسير يعود إلى نقص البيانات، أم إلى خطأ في النموذج نفسه؟
فلو أن معايير النجاح التطوري الصارمة طُبِّقت على الإنسان لظهر ككائن شديد الهشاشة، وذلك كما يلي:
• يولد عاجزًا عن النهوض بأعباء وجوده مما اقتضى أن يحظى بحضانة لمدة أطول مما تحتاجه الكائنات الثديية الكبيرة الأخرى
• جهازه المناعي ضعيف مقارنة بالعديد من الحيوانات
• قدرته الحسية محدودة
• سرعته البدنية متواضعة
• قابليته للإصابة بالأمراض النفسية مرتفعة
• يعتمد بقاؤه على بيئة صناعية لا طبيعية
ففي المنطق الدارويني، الكائن الأكثر نجاحًا هو الأكثر كفاءة في التكيف المباشر مع بيئته. لكن الإنسان يفعل العكس؛ فهو الكائن الوحيد الذي لا يعيش إلا بعد أن يُعيد تشكيل بيئته بصورة جذرية. إنه الكائن الوحيد الذي لا يتكيف مع الطبيعة، بل يُلغيها. وهذا لا يشير إلى تكيف أعلى، بل إلى عجز تكيفي أصيل تم التعويض عنه بشيء آخر غير بايولوجي.
كما أن الداروينية الاجتماعية تواجه مأزقًا أكبر في المجال النفسي. فالإنسان يعاني على نطاق واسع من ظواهر يصعب إدراجها ضمن “اقتصاد البقاء”، فالقلق الوجودي والاكتئاب المزمن والشعور باللاجدوى والتضحية غير المفيدة تطوريًا والبحث عن المعنى على حساب الحياة نفسها والانتحار رغم توفر شروط البقاء البايولوجي. وهذه كلها ليست انحرافات فردية بل خصائص بنيوية في التجربة الإنسانية. وإذا كان الانتخاب الطبيعي يستبعد الصفات المهدِّدة للبقاء، فكيف بقيت هذه الصفات، بل وتضخمت مع الحضارة؟ إن تفسيرها بوصفها “آثارًا جانبية للذكاء” لا يحل المشكلة، بل يؤكدها؛ وذلك لأن الكائن الذي ينتج جهازًا نفسيًا يقوّض استمراريته الحيوية ليس كائنًا تكيفيًا بالمعنى الدارويني.
كما أن الأنثروبولوجيا الثقافية تعاملت مع الثقافة باعتبارها أداة تكيف جماعي. لكن هذه الفرضية تواجه تناقضًا واضحًا يتمثل في أن الثقافة لا تقلل معاناة الإنسان، بل تضخمها. فكلما تعقّدت الحضارة ازدادت الأمراض النفسية وازداد العنف المنظم وازدادت الحروب الشاملة وتضخم الشعور بالاغتراب. فلو كانت الثقافة مجرد امتداد للتكيف، لعمدت إلى تقليل التوتر الحيوي لا إلى مضاعفته. إن الثقافة لا تعمل كآلية استقرار، بل كآلية تعويض، فهي محاولة مستمرة لإصلاح اختلال أعمق من البيئة “اختلال في بنية الكائن نفسه”.
وهنا ينبغي التشديد على حقيقة مفادها أن المشكلة الأساسية ليست في مفهوم التطور ذاته، بل في تعميمه خارج النطاق التطبيقي الذي يعمل بكل كفاءة ضمن حدوده المنطَقية Regional Limits. ففي عالم الطبيعة تُختبر الفرضيات تجريبيًا، أما في المجال الإنساني فتُفسَّر كل ظاهرة لاحقًا بوصفها تكيفًا، حتى وإن كان هذا التفسير يتعارض مع مقتضيات البقاء. وهنا تتحول الداروينية الاجتماعية من نظرية إلى إطار تفسيري دائري، فما بقي فهو متكيف، لأنه بقي. وبهذا المعنى لا تعود قابلة للدحض، وبالتالي تفقد شرط العلمية.
إن تراكم الشواهد يقود إلى نتيجة مختلفة فحواها أن الإنسان لا يبدو كائنًا تكيفيًا متفوقًا، بل كائنًا خرج جزئيًا من نظام الضبط الحيوي الطبيعي. والهشاشة البايولوجية والنفسية ليست فشلًا عارضًا، بل مؤشر على تحوّل جذري في بنية الإنسان.
ومن هنا يمكن اقتراح إطار معرفي بديل مفاده أن الظاهرة الإنسانية ليست بايولوجية خالصة، ولا فوق-بايولوجية، بل هي ظاهرة ميتابايولوجية. أي أنها نشأت من الحياة، لكنها لم تعد تُدار بالكامل بقوانينها التنظيمية الأصلية. فاللغة والمعنى والأخلاق والوعي الذاتي ليست تحسينات تكيفية، بل نتائج انتقال الكائن من نظام التوازن الحيوي إلى نظام التمثيل الرمزي.
إن الإصرار على إخضاع الإنسان لنموذج تكيفي صرف لا يؤدي إلى تفسيره، بل إلى طمس معالمه الخاصة. فالداروينية الاجتماعية لا تفشل لأنها خاطئة كليًا؛ إذ أنها صحيحة في نطاقها التطبيقي، وغير صحيحة خارج هذا النطاق. إن الكفّ عن فرض النموذج الحيوي على الظاهرة الإنسانية لا يعني رفض العلم، بل تحريره من التعميم الميتافيزيقي المقنّع بلغة علمية. وعندها فقط يصبح ممكنًا التفكير في الإنسان بوصفه كائنًا نشأ من الطبيعة، لكنه لم يعد يعمل بالكامل داخلها. وهذا الاعتراف لا يقلل من قيمة التطور، بل يحدد حدوده. ومن تحديد الحدود يبدأ الفهم الصائب المستند الى الوقائع وليس الى النظريات والافتراضات.
