
لا يمكن فهم موقف ريتشارد آفيناريوس من الدين إلا من خلال مشروعه الضخم “نقد التجربة النقية”. فالفلسفة، وفقاً لآفيناريوس، ليست بحثاً عن “الحقيقة المطلقة”، بل هي عملية “تنظيف جراحي” للتجربة الإنسانية مما علق بها من زوائد ميتافيزيقية. وفي هذا السياق، يظهر الدين عنده ليس كـ “ضلال” فحسب، بل كـ آلية دفاعية معقدة وواجبة. فآفيناريوس يرى أن الإنسان وجد نفسه في مواجهة عالم يتسم بـ الفوضى والتعقيد واللامبالاة. ولأن العقل البشري يميل بطبعه إلى “توفير الجهد الفكري” (Principle of Economy of Thought)، فقد اضطر إلى ابتكار “تفسيرات” تمنحه شعوراً بالسيطرة والأمان، فالدين يغدو عند آفيناريوس “شرنقة” ينسجها الإنسان حول نفسه ليهرب من برد الحقيقة الوجودية. إنه يوفر “معنى” لواقع قد لا يكون له معنى أصلاً، وبدلاً من مواجهة عالم مادي أصم، يرسم الإنسان عالماً “وراء السطور” يحفل بالرعاية الإلهية والعدالة المؤجلة، مما يحميه من الشعور بالضياع في فضاء كوني لا يبالي بوجوده.
وهنا نصل إلى النقطة الجوهرية التي تفضح “قصور” المنطق الوضعي. فآفيناريوس، في حماسته لتطهير التجربة، سقط في فخ “المصادرة على المطلوب”.
لقد حكم آفيناريوس على الظاهرة الدينية بـ “منطق بشري مغلق”، مفترضاً مسبقاً أن كل ما في وعي الإنسان هو بالضرورة من “إنتاج” هذا الوعي. إن هذا المنطق يتجاهل احتمالاً فلسفياً ومنطقياً وازناً مفاده وجود كيان مفارق (Transcedent).فإذا كان هناك “كيان متعالٍ” يمتلك منطقاً خاصاً يفوق حدود منظومتنا الإدراكية، فمن الطبيعي أن يتجلى هذا الكيان في عالمنا من خلال “قوالبنا البشرية”.
فما اعتبره آفيناريوس “أوهاماً دفاعية” هو في حقيقته عملية ترجمة. إن العقل البشري، حين يتلقى “الأساس” من الكيان المفارق، لا يستطيع استيعابه إلا عبر أدواته الخاصة، وبالإمكان إيجازها في ما يلي:
1. المنظور الإنساني: المنظومة المنطقية البشرية تعيد صياغة “النبض الإلهي” أو “الحقيقة الكلية” لتتخذ هيئة مفاهيم وطقوس وصور مفهومة.
2. التعددية الزمانية والمكانية: هذا يفسر لماذا تتعدد الأديان وتختلف أشكالها؛ فهي ليست “أكاذيب متنوعة”، بل هي تنويعات بشرية على “أصل واحد” مفارق، صِيغَت وفقاً لأنماط الشخصية البشرية والثقافات المختلفة عبر العصور.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن آفيناريوس، برغم براعته في تحليل العلم، قد حصر نفسه في “غرفة مرايا” إنسانية. فبينما يرى هو أن الإنسان يهرب من الواقع إلى الدين، يمكننا القول إن الدين قد يكون هو الوسيلة التي يحاول بها الإنسان “الإمساك” بشيء من الواقع المتعالي الذي يعجز منطق آفيناريوس “الجاف” عن رصده.
