“الأنماطُ المعرفية” بين آخذٍ بها ورافضٍ لها

لا تكتمل الأطروحات التركيبية التي تتناول تحولات كبرى في بنية المعرفة دون اختبارها أمام اعتراضات قوية. فالتحذير من فقدان الحسّ النمطي في العلم المعاصر، وربطه بالبنية التطورية للعقل وبصعود الذكاء الاصطناعي، قد يُفسَّر على أنه نزعة تشاؤمية، أو تعميم فلسفي يتجاوز المعطيات العملية داخل المختبرات والمؤسسات البحثية.
تسعى هذه المقالة إلى عرض أبرز الاعتراضات الممكنة على هذه الرؤية، ثم مناقشتها واحدة تلو الأخرى، بهدف توضيح حدود الأطروحة، وضبط نطاقها التفسيري، ومنع انزلاقها إلى سردية شاملة غير قابلة للاختبار.
وفيما يلي بعضٌ من أبرز الاعتراضات على مفهوم “الأنماط المعرفية” ومناقشتها:

الاعتراض الأول:
قد يُقال إن التشخيص الذي يتحدث عن تفكك الرؤية الكلية يتجاهل ازدهار مجالات تقوم تحديدًا على التركيب العابر للتخصصات، من مثل: علوم النظم المعقّدة وعلم الشبكات وبايولوجيا الأنظمة وعلوم المناخ أو أبحاث الدماغ متعددة المستويات. فهذه الحقول لا تختزل الظواهر إلى عناصر معزولة، بل تحاول نمذجتها بوصفها شبكات مترابطة غير خطية. وعليه، فإن الادعاء بأن العلم تخلى عن “الغابة” لصالح “الأشجار” يبدو، وفق هذا الاعتراض، غير دقيق تاريخيًا.
وبالإمكان دحض وتفنيد هذا الاعتراض كما يلي:
لا تنفي الأطروحة وجود اتجاهات تركيبية متقدمة، بل ترى فيها استجابات داخلية للأزمة نفسها. غير أن السؤال المحوري لا يتعلق بوجود هذه الحقول، بل بموقعها البنيوي داخل منظومة إنتاج المعرفة. فالتركيب في كثير من الحالات يبقى محصورًا داخل أطر تقنية محددة، ولا يتحول إلى مبدأ مهيمن يعيد تنظيم السياسات البحثية، أو أنظمة التمويل، أو معايير النشر العلمي. إضافة إلى ذلك، فإن بعض هذه المقاربات التركيبية تظل أسيرة الصياغات الحسابية، دون دمج كافٍ للأبعاد الأنثروبولوجية أو الأخلاقية أو التاريخية. وعليه، لا تُفنِّد هذه الاتجاهات الأطروحة، بل تؤكد أن الحاجة إلى التركيب باتت مُعترفًا بها ضمنيًا، حتى لو لم تصبح بعدُ محورًا مهيمنًا من محاور العلم المعاصر.

الاعتراض الثاني:
يرى هذا الموقف أن التخصص الدقيق ليس انحرافًا عن المنهج العلمي، بل نتيجة حتمية لتعقّد الظواهر. فالعلم الحديث يتعامل مع مستويات من التنظيم لا يمكن إدراكها دون أدوات متخصصة للغاية. ومن ثم فإن الحديث عن «تفكك معرفي» قد يُعبّر عن حنين إلى عصر كانت فيه الظواهر أبسط لا أكثر.
ويمكننا تفنيد هذا الاعتراض كما يلي:
الأطروحة تُقرّ بأن التخصص ضرورة معرفية لا يمكن الاستغناء عنها. غير أن الاطروحة تميز بين التخصص بوصفه تقنية تحليل، والتخصص بوصفه أفقًا إبستمولوجيًا مغلقًا. فالأزمة لا تنبع من التعمق في الجزئي، بل من غياب البُنى التي تسمح بإعادة وصل الجزئي بالكلي. فحين تُكافئ المؤسسات العلمية الإنتاج داخل الحدود الضيقة للحقل الواحد دون تحفيز حقيقي للتركيب، يصبح التخصص، بحكم “البنية” لا “النية”، مولِّدًا لتجزئة معرفية طويلة الأمد. ولذلك فإن الاطروحة لا تعارض التخصص، بل تطالب بمرافقته الدائمة بآليات تركيب مؤسسية، لا تركها لاجتهادات فردية متفرقة.

الاعتراض الثالث:
قد يُقال إن المنهج العلمي يتضمن آليات “تصحيح ذاتي” قوية، من مراجعة الأقران، إلى التكرار التجريبي، إلى التحليل الإحصائي، تمنع ترسخ الأنماط الوهمية طويلًا. وبالتالي فإن تصوير “الأنماط الزائفة” بوصفها خطرًا حضاريًا قد يبدو تضخيمًا فلسفيًا غير مبرر.
وهنا يمكننا دحض وتفنيد ما يذهب إليه هذا الاعتراض كما يلي:
الأطروحة هنا تميّز بين الخطأ العلمي داخل المجال البحثي، والخطأ حين يُدمج بسرعة في أنظمة اتخاذ القرار التقني والسياسي والاقتصادي. ففي هذا العصر الرقمي، يمكن لنموذج إحصائي غير مكتمل أن يُطبَّق على نطاق واسع قبل أن يخضع لاختبارات زمنية طويلة، خاصة حين تتداخل المعرفة مع أنظمة السوق، أو الإدارة العامة، أو الطوارئ البيئية. وبذلك لا تنفي الأطروحة قوة “التصحيح الذاتي” للعلم، لكنها تشير إلى فجوة زمنية خطرة بين إنتاج النموذج واستخدامه الحضاري، وهي فجوة تتسع مع تسارع النشر والتطبيق التقني.

الاعتراض الرابع:
قد يُنتقد الربط بين التحويلة التطورية الأولى ونزعة الإنسان إلى فرض الأنماط على الواقع باعتباره تعميمًا أنثروبولوجيًا واسعًا يصعب إخضاعه للاختبار التجريبي المباشر، ويقع في منطقة بين الفلسفة البيولوجية والتأويل الثقافي.
وهذا اعتراض بالإمكان تبيان خطأه وذلك كما يلي:
إن الأطروحة تقر بأن هذا المستوى من التحليل يتجاوز التجربة المختبرية الضيقة، لكنه لا ينفصل عنها تمامًا. فالعلوم الإدراكية، وعلم النفس التطوري، ودراسات الانحيازات المعرفية، جميعها توثّق ميولًا بشرية منتظمة إلى اكتشاف الارتباطات بسرعة، وإسقاط السببية على المصادفات، وبناء نماذج مفرطة الثقة. وعليه، فإن “التحويلة التطورية الأولى” تُقترح هنا بوصفها إطارًا تركيبيًا “ميتانظريًا” يجمع نتائج متناثرة في فرضية تفسيرية عليا، لا بوصفها حقيقة تجريبية منجزة، وهو موقع مشروع داخل البحث الفلسفي العلمي طالما أُعلن حدوده بوضوح.

الاعتراض الخامس:
قد يُقال إن الذكاء الاصطناعي لا يضاعف خطر الأنماط الزائفة، بل يساعد في كشفها عبر تحليل مجموعات بيانات ضخمة، واختبار فرضيات متعددة بسرعة تفوق القدرات البشرية، واكتشاف انحيازات خفية في النماذج التقليدية.
وهذا اعتراض بوسعنا أن نفنده كما يلي:
الأطروحة توافق على هذا الدور التصحيحي المحتمل، لكنها تشير إلى أن الخطر لا يكمن في التقنية ذاتها بل في الموقع السلطوي الذي تُمنح له داخل منظومات “اتخاذ القرار”. فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أداة نقد للنماذج البشرية، لكنه قد يتحول أيضًا إلى مرجعية تشغيلية شبه نهائية إذا غابت الرقابة الفلسفية والمؤسسية، أو إذا فُصلت نتائجه عن نقاشات السياق والمعنى والقيم. وبذلك لا يُقدَّم الذكاء الاصطناعي بوصفه عامل أزمة بالضرورة، بل بوصفه مضخّمًا بنيويًا؛ فهو يضخّم قدرات الاكتشاف حين يُحاط بإطار إبستمولوجي ناقد، ويضخّم الأوهام حين يُترك يعمل داخل منظومات مغلقة.

إن أطروحة “أزمة الأنماط” لا تدّعي وصفًا كليًا مغلقًا لمسار العلم المعاصر، بل تقترح قراءة تشخيصية لبُنية توتر داخلية بين:
• التخصص والتركيب،
• الدقة المحلية والرؤية الكلية،
• السرعة التقنية والتأمل الإبستمولوجي،
• تضخيم القدرة الإدراكية وكبح غرورها.
وبهذا المعنى، لا تسعى الدراسة إلى إعلان أفول المشروع العلمي، بل إلى إعادة مساءلة شروط ازدهاره في لحظة تاريخية باتت فيها النماذج العلمية، وخاصة الخوارزمية، تلعب دورًا مباشرًا في صياغة مصير الإنسان والكوكب.

أضف تعليق