أوروبا المتخَيلة وأوروبا الحقيقية… أين أخطأ ماركو روبيو؟

يُحسَب لماركو روبيو أنَّ كلمتَه التي ألقاها، ممثلاً لبلادِه بصفتِه وزيراً لخارجيتِها، مستهلَّ انطلاقِ الدورة 62 لمنتدى ميونيخ للأمن، كانت أقوى الكلمات مقارنةً بكلماتِ غيرِه من قادةِ الغرب المشاركين في هذا المنتدى. غير أنَّ من بين ما يُحسَبُ على روبيو، ويؤاخذُ به أمام محكمةِ التاريخ، أنه شدَّد على وجوبِ ألا يعتذرَ الغرب، الأوروبي والأمريكي، عن ماضيه الذي ذكره أكثر من مرة بالإجلالِ والتمجيد والتعظيمِ والتبجيل، متناسياً أنَّ هذا الماضي لم يكن مجرد اكتشافات واختراعات وقفزات فكرية غير مسبوقة وممارسات أرست دعائمَ التفكير الحر ومهدت لقيام الديمقراطيات، حيث أن صفحاتِه قد احتوت أيضاً على ما قام به بعضُ أهلِ الغرب، غزاةً و”فاتحين” ومستعمرين وتجارَ عبيد ومرتزقة، من إباداتٍ جماعية وجرائم لم يسبق لها مثيل بحقِّ السكان الأصليين في كثيرٍ من أصقاعِ العالَم القديم والجديد. كما أن روبيو قد اختار، عمداً، أن يتغاضى عن كلِّ ما شهدته أوروبا نفسها من حروبٍ بينية دام بعضُها أكثر من مائة عام تقاتل فيها الإخوة وقُتِل ملايين الأوروبيين لأسبابٍ دينية وطائفية وقومية وعِرقية.
فعن أي أوروبا كان يتحدث روبيو وهو يفاخر بماضيها الذي يريدها ألا تخجلَ من أي صفحة من صفحاتِه وألا تعتذرَ عن أيِّ شيءٍ وردَ فيها؟ إنَّ هذا التمجيد غير السوي، وغير الموضوعي، لا يتوافق على الإطلاق مع ما يروِّج له روبيو من “عالَمٍ جديد” تبقى فيه الغلبة للغرب، الأوروبي والأمريكي، بلا منازع. وهذا “العالَم الجديد” الذي يريد له روبيو أن يستمرَ أبدَ الآبدين، هو عالَمٌ إن كان لا يخجل من ماضيه الاستعماري، ولا يعتذر عن جرائمِه وما اقترفته أيدي الأسلاف من فظاعاتٍ وبشاعات، لن يكفَّ عن المضي قدماً على ذات الطريق الذي خطَّه هؤلاء الأسلاف المؤسِّسون بكلِّ ما تعنيه الكلمة، حتى وإن اقتضى الأمر أن يقومَ الغربُ المعاصر بذاتِ ما قام به الغرب القديم من إجهازٍ على الشعوبِ الأصلية وسلبٍ ونهبٍ وسرقةٍ لخيراتِها، وذلك بحجةِ أنَّ الغربَ يمثل الحضارة والتقدم فيما يمثل “الأغيار” التوحش والتخلف الأبدي إذ لا ينبغي أن تُقارَنَ دماؤهم بالدماءِ الزرقاء التي تسري في عروقِ صانعي الحضارة الإنسانية والحاملين لشعلتِها والمدافعين عن قيَمها الديمقراطية والليبرالية.

أضف تعليق