
يُلاحَظ على كتبِ التاريخ قاطبةً هوَسُها بالقوةِ دون أخذٍ بنظرِ الاعتبار لطبيعةِ العلاقة بين الحق وهذه القوة. فلكأنَّ كُتَّابُ التاريخ، باختلافِ الأعراقِ والأجناسِ والأعصُر، قد توافقوا توافقاً ضمنياً على أن يتابعوا، بكلِّ شغفٍ وإخلاص، هذه القوةَ أنى دارت، وفي أيِّ أرضٍ حلَّت ركائبُها! فسواءٌ إن كنتَ تطالع كتاباً في التاريخِ الروماني، أو آخرَ في التاريخِ الصيني، فإنَّ القاسمَ المشترك بين الكتابَين هو هذا الهوَسُ المَرَضي بما شهدَه عصرُ هذا الامبراطورِ أو ذاك من غزواتٍ ومعاركَ وحروب! وهذا إن دلَّ، فإنما يدلُّ على مدى تعلُّقِ النفسِ البشرية بالقوةِ حتى وإن كانت على الباطل وجاهرت بأفعالِها الباطشة بمعاداةِ الحق بأيِّ وسيلةٍ كانت. فلكأنَّ كتبَ التاريخ كلَّها جميعاً قد كتبها عقلٌ واحد! فالامبراطورُ محقٌّ مهما فعل طالما كان يُحسِنُ التعبيرَ عن قوَّتِه حتى وإن تجلَّت نصرةً للظالمِ وفتكاً بالمظلوم! فالحاكمُ القوي الباطشُ محبوبٌ لا من قِبل شعبِه فحسب، ولكنه محبوبُ كلِّ الشعوب في مشارقِ الأرضِ ومغاربِها وعلى مدى الأيام وإن تباعدَ عصرُه وعصرُ الوالهين المحبين له وإن كان ما يفصلُ بينهما مئاتُ السنين؛ وإلا فلماذا نعجبُ بأبطالٍ بنوا الامبراطوريات قبل مئاتِ السنين؟! ولماذا يجعلنا هذا الإعجابُ نتغاضى عن كلِّ ما فعلوه من جرائم وننسى كلَّ ما تعرَّضَت له الشعوبُ التي ابتُلِيَت ببطشِه من مظالِم؟! ألا يدلُّ ذلك على أنَّ هنالك عيباً فينا، وفي صُلبِ تكوينِنا تحديداً؟ ألا يقودُنا هذا الإعجابُ الوالِه، بكلِّ ما ينطوي عليه من تسويغٍ لأفعالِ القوي الظالم، إلى وجوبِ أن نخلُصَ إلى نتيجةٍ مفادها أننا كائناتٌ غيرُ سوية، وأنَّ خطباً ما قد نالَ من ذائقتِنا القِيَمية فجعلَها تستمرئُ الظلمَ وتلتمسُ للظالمِ الأعذارَ والمسوِّغات كلما اجتهد في ظلمِه وبالغَ في بطشِه؟ فكيف لا يتشكَّل التاريخ إذاً وفقاً لإرادةِ الطغاة طالما كان هؤلاء يتنافسون فيما بينهم أيُّهم ستذكرُهم كتبُ التاريخ على أنه أكثرُ الطغاةِ قوةً وأشدُّهم بطشاً وأبرعُهم إجراماً؟!
إن نظرةً واحدةً إلى عالَمِ اليوم، وأخرى إلى كتبِ التاريخ منذ بداياتِه المكتوبة وحتى الأمسِ القريب، تكفيان لنصلَ إلى نتيجةٍ مفادها أنَّ حضارتَنا المعاصرة، بسيرِها على خطى الحضاراتِ التي سبقتها في بطشِها وطغيانِها وتمجيدِها للظالمِ مادام يبالغُ في ظلمِه من دونما وازعٍ من خلُقٍ أو دين، لابد وأن تنتهيَ يوماً ما قريباً كما انتهت من قبلِها تلك الحضارات.
