لماذا لا تمثّل “التحويلة التطورية الأولى” نسخةً من الخطيئة الأصلية؟

يُواجَه مشروع الميتابايولوجيا باعتراض يكاد يكون آلياً مفاده أن تفسير أكل آدم من الشجرة بوصفه لحظة تحوّل بنيوي في الإنسان ليس إلا إعادة صياغة فلسفية لمفهوم “الخطيئة الأصلية” كما بلوره علم اللاهوت (الثيولوجيا) ، ولا سيما عند توما الأكويني في “الخلاصة اللاهوتية”. غير أن هذا الاعتراض قد نشأ من تشابهٍ سرديّ سطحي، وليس من تشابهٍ مفهومي. فالحدث واحد، لكن البنية النظرية التي يُدرج فيها مختلفة جذرياً. والفارق بينهما ليس فرق تفسير داخل الإطار نفسه، بل فرق إطارٍ معرفيّ كامل.
لكن ما الذي تعنيه “الخطيئة الأصلية” عند توماس الأكويني؟

وفقاً لعلم اللاهوت القروسطي، لا يُفهم حدث الشجرة كتحوّل في طبيعة الإنسان الإدراكية، بل كخلل أخلاقي-وجودي أصاب علاقة الإنسان بالله.
فحسب توماس الأكويني كان الإنسان قبل السقوط في حالة من العدالة الأصلية (Original Justice) والعقل خاضعاً لله بلا اضطراب والشهوات خاضعة للعقل والطبيعة البشرية منسجمة. ثم حدث السقوط، فلم يتغيّر نمط إدراك الإنسان للعالم، بل تغيّرت حالته الأخلاقية أمام الله. وبذلك فنتائج الخطيئة الأصلية هي: فقدان النعمة، وفساد الإرادة، وميل للخطيئة، وموت جسدي. أي أن الإنسان بقي الإنسان نفسه معرفياً، لكنه أصبح مذنباً ميتافيزيقياً. إذاً الخطيئة الأصلية مفهوم قانوني-خلاصي؛ فهي قضية ذنب، وليست قضية إدراك معرفي.
وما الذي تعنيه التحويلة التطورية الأولى في الميتابايولوجيا؟
في المقاربة الميتابايولوجية لا يُناقش الحدث كعصيان أخلاقي، ولكن كقفزة إدراكية كارثية. فما تغيّر لم يكن موقف الإنسان من الله فحسب، ولكن موقفه من الواقع نفسه. فالإنسان لم يفقد البراءة الأخلاقية، بل فقد التوازن الإدراكي الحيوي. فالإنسان قبل الشجرة كان يعيش داخل الواقع، ولكنه أصبح بعدها يعيش داخل تمثُله للواقع. والانسان قبل الشجرة كان “يدرك”، ولكنه أصبح بعدها “يتخيل” أنه يدرك. وهكذا ظهر الإنسان بصفته “كائناً رمزياً”.
يتبين لنا، وبهذه المقارنة، أن حدث “الأكل من الشجرة” هو ذات الحدث الذي تناوله علم اللاهوت والميتابايولوجيا، ولكن النتيجة التي انتهى إليها كلٌ منهما مختلفة
ولكن، لماذا هذا الالتباس الذي جعل البعض يتوهم أن الميتابايولوجيا هي نسخة فلسفية من مفهوم الخطيئة الأصلية؟ لقد نشأ هذا الالتباس من افتراض أن المقاربة اللاهوتية تقدّم تفسيراً واحداً فقط. بينما الواقع يشهد أن السرد يمكن أن يكون حاملاً لمستويات متعددة من التفسير: مستوى لاهوتي، ومستوى أخلاقي، ومستوى أنثروبولوجي، ومستوى إدراكي. فاللاهوت قرأ الحدث بوصفه مشكلة بين الإنسان والله فحسب، أما الميتابايولوجيا فإنها تقرؤه بوصفه مشكلة بين الإنسان والواقع. وهذان سؤالان مختلفان جذرياً. ففي الخطيئة الأصلية يشرح النص لماذا نحتاج الخلاص، أما في الميتابايولوجيا، فالنص يشرح لماذا أصبح وعينا غير موثوق بالكامل. أي أن النص يتحول من وثيقة خلاصية إلى وثيقة أنثروبولوجية عميقة.
إن الميتابايولوجيا لا تعيد إنتاج اللاهوت، بل تغيّر موضوع السؤال نفسه.
الخطيئة الأصلية تسأل: لماذا نخطئ؟
أما التحويلة التطورية الأولى، فإنها تسأل: لماذا نظن أننا نفهم؟
وهذا فارق حضاري كامل، وليس اختلافاً في التأويل.
يتبين لنا، وبتدبر كل ما تقدم، أن اعتبار التحويلة التطورية الأولى نسخة من الخطيئة الأصلية يشبه اعتبار نظرية التطور نسخة من الصفحات الأولى من “سفر التكوين”، وذلك لمجرد اشتراكهما في الحديث عن البداية. فالتشابه في السرد لا يعني تشابهاً في النظرية. فاللاهوت يفسر علاقة الإنسان بالله، أما الميتابايولوجيا فإنها تفسر علاقة الإنسان بإدراكه لنفسه وللعالم من حوله. ولهذا فإن أكل آدم من الشجرة في هذا المشروع ليس حدثاً أخلاقياً سقط فيه الإنسان فحسب، بل لحظة معرفية وُلد فيها الإنسان كما نعرفه الآن. أي أن المشكلة لم تتفاقم على المستوى الوجودي حين خالف الإنسان الأمر، بل حين بدأ يثق بعقله أكثر مما يحتمل عقله. فمشكلة الإنسان إذاً بدأت بعصيانه لله، وتفاقمت سوءاً بتغلغل “سم المعصية” في كيانه بالكامل.

أضف تعليق