هل من جامع بين شفرة أوكام والاقتصاد في الأفكار والاقتصاد السلوكي و”خير الكلام ما قلَّ ودَل”؟

يبدو للوهلة الأولى أن لا جامع حقيقياً بين قاعدة فلسفية إبستمولوجية مثل شفرة أوكام، ونظرية في علم النفس الاقتصادي مثل الاقتصاد السلوكي، وحكمة بلاغية لغوية مثل قول العرب: “خير الكلام ما قلَّ ودل”. فالأولى تنتمي إلى منهجية العلم، والثانية إلى دراسة اتخاذ القرار، والثالثة إلى البلاغة والتواصل. غير أن هذا التباعد الظاهري يخفي احتمالاً أعمق: ربما لا تمثل هذه المبادئ مجالات منفصلة، بل هي مظاهر متعددة لآلية واحدة أقدم من العلم واللغة والسوق؛ آلية مرتبطة ببنية الإدراك البشري نفسه.
هذه المقالة تقترح أن هذه الظواهر الثلاثة ليست مجرد تشابهات ثقافية، بل تجليات مختلفة لما يمكن تسميته بـ “قانون اقتصاد التمثل”؛ أي ميل العقل البشري إلى تقليل كلفة تمثل العالم داخلياً قبل أي شيء آخر.
ولنبحث الأمر ابتداءً بتدبر ما تعنيه في هذا السياق “شفرة أوكام”. فشفرة أوكام تنص على أن “أكثر التفاسير بساطةً هو أرجحها وأصوبها”. عادة يُفهم هذا المبدأ بوصفه معياراً للصدق، لكن تاريخ العلم يبين أنه ليس قانوناً للحقيقة بل قانوناً للترجيح الإدراكي. فالعقل لا يختار الأبسط لأنه أثبت صوابه، بل لأنه أقل حملاً على الذاكرة وأقل كلفة حسابية وأسرع معالجة وأكثر استقراراً في التوقع. وبعبارة أخرى، فإن العلم لا يفضّل البساطة لأنها صحيحة دائماً، بل لأنه غير قادر إدراكياً على البدء بالمعقد. إذاً شفرة أوكام ليست مبدأً منطقياً خالصاً، بل تعبير عن حدود بنيوية في الجهاز الإدراكي.
والآن، لنأخذ بعين الاعتبار ما يُسمى بـ “الاقتصاد السلوكي”. فلقد افترض علم الاقتصاد الكلاسيكي أن الإنسان يعظّم المنفعة، لكن الاقتصاد السلوكي كشف شيئاً مختلفاً مفاده أن الإنسان يعظّم سهولة القرار لا المنفعة. فالإنسان يختار، الخيار الأقرب والأكثر وضوحاً والأقل حساباً والأسرع تقديراً حتى لو كان أقل ربحاً. فالدماغ البشري لا يبحث عن أفضل نتيجة، بل عن أقل تكلفة حسابية للوصول إلى نتيجة مقبولة. أي أن القرار الاقتصادي نفسه ليس اقتصاداً في المال، بل اقتصاد في “المعالجة العصبية”.
ولنختم الآن باقتصاد من نوع آخر، محوره هذه المرة اللغة. فقول العرب: “خير الكلام ما قلَّ ودل” ليس مبدأً جمالياً فحسب، بل هو وصف دقيق لكيفية عمل الفهم البشري. فالعبارة الوجيزة تتفوق لأنها تقلل عبء التحليل وتختصر عدد الفرضيات الذهنية وتسرّع بناء المعنى وتمنع التشعب التأويلي. فالإيجاز هنا ليس زينة بل تكيّف إدراكي. فالمتلقي لا يحب الإيجاز لأنه جميل، بل لأنه يستهلك طاقة إدراكية أقل.
تكشف لنا هذه المقارنة عن ثلاثة أوجه لحقيقة واحدة مفادها أن “السلوك الاقتصادي” هو قانون من قوانين الطبيعة لن تزداد مجالات تطبيقه في ظواهرها إلا تعدداً في “الكم”وتنوعاً في “الكيف”. فالطبيعة لا تحب التعقيد إلا حين تُضطر الى تفضيله والأخذ به من بعد عجز الخيارات البسيطة عن تزويدها بالحل الذي تحتاجه للمشكلة التي يتعين عليها حلها. فإن ما يُقتصد فيه، في الأمثلة الثلاثة الواردة أعلاه، هو ليس المال ولا الكلمات ولا الفرضيات، بل “الطاقة الإدراكية”.
والآن، كيف تفهم الميتابايولوجيا الاقتصاد في سلوك الطبيعة وكائناتها مقارنة بسلوك الإنسان؟ فالكائن الحي يسعى للاقتصاد في الطاقة الحيوية. أما الإنسان، بعد التحويلة الإدراكية، فقد ظهر لديه نوع جديد من الطاقة، هي الطاقة التمثيلية (Representational Energy) اللازمة لبناء نموذج ذهني عن العالم. ومن هنا نشأ مبدأ عميق مفاده أن الدماغ البشري لا يحاول فهم العالم بأفضل صورة، بل بأقل تكلفة تمثيلية ممكنة. وهذا هو الأصل المشترك بين العلم المبسط والقرار الحدسي واللغة الموجزة. وهذه ليست مجالات منفصلة، بل تطبيقات مختلفة لقاعدة بقاء معرفية واحدة.
والآن، إذا صح ما تقدم، فإن:

  1. شفرة أوكام ليست مبدأً علمياً بل أثراً بايولوجياً إدراكياً.
  2. الاقتصاد السلوكي ليس انحرافاً عن العقلانية بل تعريفها الحقيقي.
  3. البلاغة ليست فناً لغوياً بل توافقاً مع حدود الأدراك المعرفي في أكثر تجلياته صواباً.
    وبالتالي فالعقل البشري ليس باحثاً عن الحقيقة أولاً، بل هو باحثٌ عن أقل كلفة تمثيل للحقيقة.
    يتبين لنا، وبتدبر كل ما تقدم، أن الجامع بين أوكام والسوق والبلاغة ليس المنطق ولا الثقافة، بل البنية الإدراكية نفسها. فحيثما وجد الإنسان ظهر قانون واحد بصور مختلفة: لا تفهم أكثر مما تحتاج كي تستمر في الفهم، وهذا قد يمثل أحد القوانين الميتابايولوجية التي تحكم المعرفة البشرية: ليس قانون الصدق، بل قانون الاقتصاد الإدراكي.

أضف تعليق