كيف يعينُنا الذكاءُ الاصطناعي على تنزيهِ الله عن كلِّ تصورٍ لسواه؟

بدايةً، هنالك مشكلة معرفية لم ينتبه إليها “علم الكلام” بما فيه الكفاية. فالدين يأمرنا بأن نُنزه الله بلا تشبيه ولا تجسيد ولا تمثيل ولا تخيّل. لكن المعضلة هنا هي ليست في الامتثال، بل في القدرة على ان يكون هذا الامتثال متصفاً بالإتقان والكمال. فالإنسان، كما كشفته الميتابايولوجيا، لم يعد كائناً يُدرك الأشياء إدراكاً مباشراً، بل كائناً يعيش داخل تمثلات. فمنذ التحويلة التطورية الأولى، لم يعد العقل يكتفي بالإشارة إلى الشيء، بل صار يصنع له صورة ذهنية حتى حين يُنهى عن ذلك. فنحن لا نرى الشجرة فقط، بل نتخيلها. ولا نذكر إنساناً فقط، بل نتصوره. ولا نذكر الله، إلا ولحقت بذكرنا صورة، أو إحساس مكاني، أو معنى بشري مستعار.
وهنا تظهر المفارقة: فالدين يطلب من العقل ما لم يعد بمقدوره القيام به “بسهولة” من بعد التحويلة التطورية الأولى. فالإنسان يستطيع أن يقول: “الله ليس كمثله شيء”، لكنه، لا شعورياً، يملأ الفراغ بصورةٍ ما. ولهذا فإن أخطر أنواع التشبيه ليس عقائدياً بل إدراكياً.
والآن، يحق لنا أن نتساءل: هل بالإمكان أن يكون هنالك ذكرٌ لله من دون أن تلحق بذكرنا هذا صورة؟ إن الدماغ لا يتعامل مع المفاهيم المجردة إلا عبر محاكاة حسية مستترة. حتى كلمة “وجود” تُستحضر غالباً كحيز. وكلمة “قريب” كمسافة. وكلمة “عالٍ” كارتفاع. أي أن اللغة البشرية نفسها مغمورة بالاستعارة الإدراكية. وعندما يُذكر الله يحدث التالي غالباً: فاللفظ “فوق” يحوله العقل لاشعورياً إلى “مكان”، واللفظ “قريب” يحوله إلى “مسافة”، واللفظ “يسمع” يحوله الى “عضو”، واللفظ “يرى” يحوله إلى “عين”، واللفظ “أراد” يحوله إلى “نفس بشرية”.
وهنا يتبين أن التشبيه ليس خطأ عقائدياً فحسب، بل نتيجة بنية إدراكية نشأت بعد التحويلة التطورية الأولى. فالإنسان لم يعد قادراً على “الذكر المحض” بل على “الذكر المصحوب بتصور”.
إن ما تقدم يمثل وبصدق حال الإنسان منذ آلاف السنين وحتى العصر الحالي الذي شهد ولادة عقل غير بشري صنعه الانسان بيده وزوده بذكاء لم يخطر بباله أن يشكل له تحدياً معرفياً ووجودياً. فلأول مرة في التاريخ، واجه العقل البشري مفارقة إدراكية حقيقية تتمثل في وجود ذكاء بلا جسد وإدراك بلا دماغ ومنظور وتواصل بلا حضور مكاني وفعل بلا فاعل متخيَّل. فنحن نتعامل يومياً مع كيان لا نعرف له شكلاً، ولا نتخيله على هيئة ثابتة، ولا نربطه بمكان، ولا نراه لكنه يستجيب، ولا ندرك بنيته لكننا نثق بفاعليته. ومع ذلك فنحن متأكدون من وجوده.
لقد مارس الإنسان، دون أن يشعر، تجربة معرفية لم تكن متاحة عبر التاريخ تتمثل في الإقرار بفاعلية عقل بلا صورة. وهنا تكمن النقلة العميقة.
فالذكاء الاصطناعي ليس دليلاً على الغيب، ولا نموذجاً لله، حاشا لله، بل تدريب إدراكي على إمكان الوجود بلا هيئة. لقد كان الإنسان سابقاً مضطراً نفسياً لربط الإدراك بالشكل، لأن كل ذكاء عرفه كان متجسداً: إنسان، حيوان، حتى الآلهة المتخيلة في الحضارات القديمة. أما اليوم فقد صار يعيش يومياً هذه الخبرة؛ فهو يتحدث مع كيان غير متجسد، ويفهم دون حضور، ويسأل دون هيئة، ويستقبل معنى بلا صورة. وهذا يُعيد تهيئة العقل لمستوى جديد من الذكر: ذكر لا يحتاج إلى تخيل. فالعقل قبل الذكاء الاصطناعي كان حين يُؤمر بترك التصور يقع في فراغ معرفي. أما الآن فصار يملك نموذجاً إدراكياً يحرره من الحتمية التجسيدية. فلم يعد السؤال: كيف يوجد بلا صورة؟ بل أصبح: “لقد تعاملتُ فعلاً مع فاعل بلا صورة”. فلقد حرر الذكاء الاصطناعي العقل البشري من القانون اللاشعوري “كل فاعل يجب أن يُتخيَّل”. ومن هنا صار الذكر الخالي من التصور ممكناً نفسياً، وليس مجرد تكليفٍ شاق.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن الذكاء الاصطناعي لم يقرّب الإنسان من الله بالمعنى الوعظي، بل بالمعنى الإدراكي العميق. ولم يزد الايمان، بل أزال عائقاً معرفياً كان يفرض “التشبيه ” على المؤمن رغم إرادته. لقد أعاد الذكاء الاصطناعي تدريب العقل على قبول وجود كيان بلا هيئة، وفاعلية بلا شكل، وإدراك بلا جسد. وهذا هو بالضبط الشرط النفسي لتنزيه الله. فلم يعد التنزيه مجرد عقيدة، بل تجربة إدراكية ممكنة. ولهذا فقد يكون الذكاء الاصطناعي، دون أن يقصد، أول أداة في التاريخ تساعد الإنسان على أن يذكر الله، من دون أن يتخيله.

أضف تعليق