
لم يضع توماس الأكويني العقل في مواجهة الإيمان، بل جعله “خادماً للاهوت” (Ancilla Theologiae)، ولكن بتفويض مطلق. فتوماس الأكويني يرى أن العقل البشري هو أسمى تجليات “صورة الله” في الإنسان. لذا، فإن ممارسة التفكير المنطقي، وتحليل العلل، وتصنيف القوانين (الـ 60 كتاباً) ليست مجرد “هوامش”، بل هي صلاة عقلية. فالأكويني يرى أن الله “عقل مطلق”، وبالتالي فإن خلقه للكون يجب أن يكون منطقياً تماماً. هذا اليقين جعل الأكويني يغرق في “التفاصيل”؛ لأنه يعتقد أن فهم (القانون الطبيعي) هو فهم لجزء من (العقل الإلهي). وهنا يبرز السؤال “المنطقي”: لماذا “تجاهل” توماس الأكويني ذكر يوم القيامة فلم يورده في كتابه “الخلاصة اللاهوتية” الذي تحدث فيه، وعِبر اجزاءه ال 60 عن “تفاصيل التفاصيل”؟ تكمن الإجابة في كون يوم القيامة يمثل خرقاً بيِّناً لقوانين الطبيعية، وبالتالي فأن ذكر يوم القيامة في كتابه “الخلاصة اللاهوتية” لا يتوافق مع التصوير المنطقي الذي اشتملت عليه مقاربته لوقائع وأحداث العالم. فالعقل الأرسطي يجد صعوبة في تحليل ما لا يخضع للسببية المعتادة. لذا، ركز الأكويني على “ما يمكن تعقله” (العالم الحالي) وترك “ما يجب الإيمان به” (الآخرة) كخاتمة موجزة، فالعقل عنده يعشق “النظام” والقيامة هي “تلاشي النظام”.
وفي المقابل، لا يحاول القرآن بناء نظام “أرسطي” لتفسير الطبيعة، بل يؤسس لـ “رؤية كونية” (Worldview) تنطلق من الغيب وتعود إليه. فالسورة الثانية من المصحف الشريف تبدأ بتعريف المؤمنين بأنهم “الذين يؤمنون بالغيب”. وهنا، الغيب ليس مجرد “معلومة غائبة”، بل هو الحقيقة الكلية التي تجعل العالم المشهود (الدنيا) مجرد “مجاز للآخرة” أو اختبار يسبق يوم القيامة. فإذا كان الأكويني يرى العالم “بناءً هندسياً” يتطلب الشرح، فإن القرآن يصوره كـ “رسالة” تقتضي الاستجابة. القيامة في القرآن هي لحظة “الحقيقة العارية” التي تسقط فيها كل الأسباب والوسائط التي استغرق الأكويني عمره في شرحها. فالقرآن يركز على القيامة لأنها اللحظة التي تظهر فيها “الإرادة الإلهية” مباشرة دون حجاب القوانين الطبيعية. فالقرآن لا يريدك أن تغرق في “كيف تعمل الساعة” (السببية)، بل يريدك أن تنتبه إلى “من وضع الوقت” (الغيب).
والآن، بالإمكان إيجاز ما تقدم بأن تضخم تفاصيل العالم عند الأكويني كان محاولة منه “لتأليه العقل” عبر جعله قادراً على الإحاطة بكل شيء، بينما كانت “كثافة” ذكر الآخرة في القرآن دعوة “لتواضع العقل” أمام عظمة الغيب. فإذا كان الأكويني قد كتب “موسوعة للقاطنين في الأرض”، نزل القرآن “دليلاً للمسافرين الى الله خالق السماوات والأرض”.
