العناد مظهرٌ من مظاهرِ خروجِ الإنسان على الطبيعة

تقوم المقاربة الداروينية للسلوك على افتراض منهجي أساسه أن التنظيم البايولوجي للكائن الحي يتجه، في المتوسط الإحصائي الطويل، نحو تعظيم البقاء وتقليل الكلفة التكيفية. وعليه، فالسلوك الذي يفضي بصورة متكررة إلى خسارة المنفعة أو الإضرار بالمصلحة الحيوية ينبغي أن يتعرض للاستبعاد الانتخابي عبر الأجيال، أو على الأقل أن يبقى هامشياً. غير أن ظاهرة العناد تقف على الطرف النقيض من هذا التصور. فهي واسعة الانتشار وعابرة للأعمار والثقافات ومستقرة زمنياً في حياة الفرد وذات آثار سلبية واضحة على المصلحة الفردية والجماعية.
إذ يصرّ الإنسان على موقف يعلم خطأه، ويرفض التراجع رغم إدراكه للخسارة، ويضحّي بمكاسب مؤكدة حفاظاً على قرار سابق. إننا هنا أمام سلوك لا يكتفي بعدم خدمة البقاء، بل يعمل ضده بصورة واعية. ومن ثمّ فإن السؤال لا يكون: لماذا يعاند بعض البشر؟ بل: كيف بقي العناد ممكناً في كائن يفترض أنه نتاج الانتخاب الطبيعي؟
يمكن تفسير سلوك الحيوان ضمن منظومة التغذية الراجعة البيئية (feedback adaptation) ، والتي بالإمكان تلخيصها كما يلي: الخطأ ثم كلفة ثم تصحيح السلوك. فالكائن الحي يعدّل استجابته تبعاً للنتائج المباشرة. حيث أن موضوع الإدراك عنده هو الواقع الفيزيائي ذاته. أما الإنسان فبنيته مختلفة. حيث أن موضوع إدراكه ليس الواقع، بل تمثيل الواقع. وهنا يظهر الفرق الجوهري:
فالإنسان يتفاعل مع المعاني. فقد يثبت السلوك بعد الخسارة، والهدف من وراء ذلك هو الحفاظ على صورة الذات. أما الحيوان فإنه يتفاعل مع الوقائع ثم يصحح السلوك بعد الخسارة، والهدف من وراء ذلك البقاء. إن العناد لا ينشأ من فشل التعلم، بل من نجاح بنية أخرى أعمق هي “بنية حماية الهوية الرمزية”. فنحن لا نجد في عالم الحيوان ما يماثل العناد بالمعنى الإنساني الدقيق. فالحيوان قد يقاوم، ولكن مقاومته تمثل دفاعاً تكيفياً. أما العناد فهو ليس دفاعاً عن الجسد، بل عن التمثّل. فالانسحاب لدى الحيوان لا يهدد كيانه الإدراكي، أما التراجع لدى الإنسان فقد يهدد صورته عن نفسه. ومن هنا تظهر الخاصية الفارقة المتمثلة في كون الكائن الطبيعي يتخلى عن السلوك حين يفشل، أما الإنسان فإنه قد يتمسك بالسلوك، وذلك لأن عدم التمسك يعتبره فشلاً؛ حيث أن التهديد لا يمس الحياة، بل المعنى.
لا يمكن فهم العناد إلا إذا أُعيد تعريف الخطأ. فالخطأ عند الحيوان واقعة، أما عند الإنسان فهو حكم على الذات.
أما التراجع، فإنه يعني فقدان المكانة واهتزاز التصور الذاتي واختلال الموقع داخل الشبكة الاجتماعية. لذلك يصبح العناد آلية دفاع معرفية لا سلوكية. إنه يحمي تماسك الذات الرمزية عبر التضحية بالمنفعة الواقعية. ومن هنا يتحول مبدأ القرار من “اقتصاد الطاقة” إلى “اقتصاد الهوية”.
إن العناد يتضاعف داخل العلاقات لأن الإنسان لا يعيش فقط في بيئة طبيعية، بل في شبكة اعتراف اجتماعي. مكانته داخل الأسرة أو الجماعة أو العمل تُبنى على ثبات الموقف أكثر مما تُبنى على صحته. لذلك يصبح التراجع إعادة تعريف للموقع الاجتماعي. وعند هذه النقطة تحديداً يغدو العناد مفهوماً؛ وذلك ليس لأنه يخدم البقاء، بل لأنه يخدم استقرار البنية الرمزية للجماعة.
ويمكن النظر إلى العناد بوصفه نتيجة مباشرة للتحويلة الإدراكية التي نقلت الإنسان من كائن يتكيف مع العالم إلى كائن يبني نموذجاً عن العالم. فبمجرد أن صار الإنسان يعيش داخل نموذج تمثيلي، أصبح قادراً على التضحية بالواقع لصالح “النموذج”. فالعناد إذاً ليس “شذوذاً نفسياً”، بل أثراً بنيوياً للانفصال الإدراكي عن الطبيعة. إنه إعلان أن مركز السلوك لم يعد البقاء الفيزيائي، بل “الاتساق الرمزي”.
يضع العناد حدوداً واضحة للتفسير التطوري الاختزالي للسلوك الإنساني. فهو سلوك لا يمكن اشتقاقه من “اقتصاد الطاقة” ولا من الصراع على البقاء ولا من الانتخاب الطبيعي؛ حيث أنه سلوك يفترض بنية أخرى تتمثل في كائن قادر على تفضيل المعنى على المنفعة والنموذج على الواقع والهوية على الحياة العملية. ومن ثمّ يغدو العناد أحد المؤشرات السلوكية على أن الإنسان لم يعد ظاهرة بايولوجية خالصة، بل ظاهرة ميتابايولوجية نشأت حين أصبح الإدراك نفسه وسيطاً بين الكائن والعالم. فالعناد ليس خطأ في الطبيعة الإنسانية، بل أثرٌ لبدايتها خارج الطبيعة.

أضف تعليق