
في التجربة الصوفية، الوجد هو حالة من “الفناء” حيث يغيب الوعي بالذات الفردية ليتحد المريد بالحقيقة المطلقة. ونجد في الجاز أن الارتجال الحر (Free Jazz) يتطلب من العازف أن يتجاوز التفكير الواعي في القواعد الموسيقية. عندما يصل العازف إلى حالة “التدفق”، تصبح الآلة امتداداً لجسده، وتخرج الألحان دون تخطيط مسبق، وكأن “شيئاً ما” يعزف من خلاله، وليس هو من يعزف.
كلتا الحالتين (التجربة الصوفية وتجربة الجاز الحر) تعتمد على “اللحظة الراهنة”؛ فلا وجود للماضي (النوتة السابقة) ولا للمستقبل (الخوف من الخطأ)، بل حضور تام في “الآن”.
وهناك تماثلٌ آخر بين هاتين التجربتين بإمكاننا أن نتبينه بتدبر الحال الموسيقي والمقام الصوفي. ففي التصوف، يعتبر “المقام” هو رتبة مستقرة تُكتسب بالجهد، أما “الحال” عند الصوفية فهو وهبٌ رباني يطرأ على القلب ويغيب.
كما أن هنالك تماثلاً آخر بين هاتين التجربتين يُلاحظ في التطبيق الموسيقي؛ فـ “الهيكل الموسيقي” (The Standard) يمكن تشبيهه ب “المقام”، أما اللحظات الإبداعية الخارجة عن المألوف أثناء العزف المنفرد (Solo) فهي “الأحوال”.
يقول عازف الجاز الشهير سوني رولينز: “الموسيقى هي نوع من الصلاة، وعندما أعزف، أحاول الوصول إلى مكان يتوقف فيه عقلي عن الكلام”. وهذا التوصيف هو جوهر تجربة الوجد عند الصوفية.
ويتجلى هذا التماثل بين التجربة الصوفية وتجربة موسيقى الجاز في جانب آخر لا يمكن إغفاله في التكرار الذي هو سمة أساسية من سمات حلقة الذكر الصوفية وبين التكرار الذي يصطلح عليه عند عازفي الجاز بـ “الجروف” Groove . فحلقات الذكر الصوفي تعتمد على “الإيقاع الرتيب المتصاعد” للوصول إلى الغيبوبة الروحية. أما في الجاز والبلوز فإن هذا يسمى بـ “الرف” (Riff) أو “الجروف” (Groove) .فالتكرار هنا ليس رتابة مملة، بل هو طاقة تراكمية تهدف إلى مغادرة الواقع المادي.
وهذا ما نلمسه بوضوح في أعمال جون كولترين المتأخرة؛ حيث تحول الساكسفون من أداة موسيقية إلى أداة “تضرع” تحاكي صرخات “الوجد”.
ولعل (جانك لافيتش) هو خير من عَبَّر عن هذا التماثل بين الموسيقى الصوفية وموسيقى الجاز والبلوز. فـ لافيتش يرى أن الموسيقى تقع في منطقة “اللا-شيء والكل-شيء”. فالوجد الصوفي هو تجربة ذوقية “لا تُحد ولا تُوصف”. أما الجاز، فيعتمد على “الخفاء” و”الإيماء”؛ فالنوتات التي لا تُعزف (الصمت) لا تقل أهمية عما يُعزف. فالارتجال هو محاولة دائمة لقول ما لا تستطيع الكلمات قوله، وهو تماماً ما يهدف إليه “الوجد” عند الصوفية.
