ثورةٌ على الثورة الفرنسية… المقاومة المصرية للاحتلال الفرنسي

يريدنا البعض أن ننسى ما جرَّه الاحتلالُ الفرنسي لمصر من ويلاتٍ على أهلِها بحجةٍ مفادها أنَّه لولاه لما تأتى لمصرَ أن تخرجَ من ظلماتِ القرونِ الوسطى إلى نورِ الحضارةِ الحديثة! ويعزِّزُ هؤلاء المدافعون عن الاستعمار، في كلِّ زمانٍ ومكان، طرحَهم هذا بما جاءنا به الاستعمارُ من أدواتِ الحضارةِ الحديثة وأساليبِ التعامل المعرفي الصائب مع ظواهرِ الكون، الأمر الذي انعكس إيجاباً على النهضة التي شهدتها مصر آنذاك حين شرعت بنفضِ غبارِ التخلُّف الحضاري عنها واتخذت لها مساراً نحو مستقبلٍ ما كان ليخطرَ على بال أهلِها.
إن دفاعاً كهذا يفتقر إلى كلِّ ما يجعله حجةً تسوِّغ لنا قبولَ كلِّ تلك الفظاعات التي ارتكبها جنودُ الحملةِ الفرنسية وضباطُها منذ أن وطأت أقدامُهم أرضَ مصر وحتى اضطروا إلى مغادرتِها. فلكأن المدافعين عن تلك الحملةِ الظالمة يريدوننا أن نرضى بكلِّ ما اقترفه جنودُها وضباطُها من جرائم في حقِّ مصرَ وأهلِها باعتبار ذلك كله ثمناً لابد من دفعِه وإلا فإن مصرَ كانت لتبقى أبدَ الدهرِ أسيرةَ زمنٍ ولَّى منذ زمانٍ بعيد!
وهنا يحقُّ لنا أن نتساءلَ إن كان ثمنُ الارتقاءِ الحضاري يتطلبُ كلَّ تلك الدماء التي أُريقت والأنفس التي أُزهِقت! أما كان بمقدورِ الثورةِ الفرنسية أن تقومَ بتصديرِ “رسالتِها التنويرية” من دون الالتجاءِ إلى السفنِ الحربية والبنادقِ والمدافع والرصاصِ والبارود؟! وهل نهوضُ الأممِ من سباتٍ فُرِضَ عليها، وركودٍ لم يكن لها يدٌ فيه، رهنٌ بأن تُبيحَ للمستعمرِ “المتحضر المتمدِّن” أن  يعيثَ في أرضِها فساداً وأن يشبعَ أهلَها بطشاً وتنكيلاً وتشريداً وتقتيلاً؟! أما كان بمقدورِ “فرنسا الثورة”، التي حملت رايةَ الأخوة والعدالةِ والمساواة، أن توفد مبعوثين ومدرِّسين وصناعيين وحرفيين وغيرِهم، ليأخذوا بيدِ أهلِ مصر على الطريقِ إلى مستقبلٍ جديد؟! ولماذا يتوجب علينا، حتى نُحسَبَ في ركابِ الأمم المتحضرة، أن ننسى أبطالَنا ومقاومينا الذين كان ذنبهم الوحيد أنهم دافعوا عن بلدِهم وشعبِهم في وجهِ تلك الحملةِ الظالمة؟! ولماذا تمجِّد فرنسا، حتى يومِنا هذا، كلَّ مَن شارك في تلك الحملة، بينما نُطالَب نحن بأن نظهرَ امتنانَنا وشكرَنا على ما جاءتنا به هذه الحملة من معارفَ وتقنيات، وألا نتجرأ يوماً على مطالبةِ فرنسا بالاعتذارِ عن ماضيها الاستعماري يومَ جاءت مصرَ غازيةً لا لتنقذَها من “بؤسِها الحضاري”، ولكن لتجعلَها جوهرةً يتفاخر بها إبنُها البار نابليون بونابرت؟!
إن على فرنسا أن تعتذرَ عن ماضيها الاستعماري، الآنَ الآنَ وليس غداً، هذا إن أرادت أن تكونَ أهلاً لحملِ رايةِ الثورةِ الفرنسية وأن تتباهى بجمهوريتِها وشعارها الممجِّد للحرية والإخاء والمساواة.

أضف تعليق