
ما الذي بإمكانِنا أن نخلصَ إليه عبر تتبعٍ استقصائي لحالِ الإنسان منذ بداياتِ تاريخِه المكتوب وحتى يومِنا هذا، وذلك على قدرِ تعلُّقِ الأمر بذلك الجانبِ من وعيِه ذي الصلةِ بأحكامِه التقييمية للآخرين عندما يتشكل سياقٌ سلوكي تفاعلي بينه وبين آخرٍ أو أكثر من البشر؟ إنَّ بحثاً موسوعياً كهذا يقتضي سنواتٍ وسنوات من رصدٍ متواصل لردودِ أفعالِ البشر عند تفاعلِهم مع بعضِهم البعض كما يتجلى في ما يربط بينهم من علاقاتٍ اجتماعية سواء داخل الأسرة الواحدة أو خارجها. ولو أننا توخينا الموضوعية، ما استطعنا، ولم نقصر استقصاءنا لأحوالِ الإنسان في هذا السياقِ الاجتماعي المتنوع على عصرٍ بِعينِه أو أمةٍ دون غيرِها من الأمم أو طائفةٍ أو معتقدٍ أو جنسٍ أو عرق، فإنَّ ما سننتهي إليه لا محالة هو نتيجة مذهلة تشي بهذا التطابق، الذي يكاد يكون تاماً، بين ردودِ الأفعالِ هذه، والذي يتجلى في إجماعٍ، قلما يتحقق، بين السوادِ الأعظم من البشر. وهذا التطابق في ردودِ الأفعال يتجلى في أحكامِ بعضنا على بعض؛ هذه الأحكام التي تغلب عليها السرعة الفائقة التي انتهينا بها إليها، والجزم القاطع بأنها أحكامٌ تتصف بالديمومة، وأنها تحتم وجوبَ ألا تُراجَع طالما كان الشخص الذي أصدرنا عليه حكمَنا هذا قد وصمناه بالعجزِ عن المفارقةِ لـ “طبعِه الغلاب”، وأنه لن يتوانى يوماً عن العودةِ إلى ذاتِ النمط من الأفعال التي اقتضت منا إصدارَ حكمِنا هذا بادئَ ذي بدء.
وهذه النزعة العالمية المتعالية على الزمانِ والمكان، والجنس والعرق، والمستوى الاجتماعي والطبقي والسياسي، هي العلةُ من وراء ما يجعل المتطرفين والمتزمتين المتشددين يقدِمون على أفعالٍ تتعارض مع أي نظامٍ ديني أو أخلاقي أو قِيَمي. فهؤلاء المتطرفون “يؤبِّدون” أحكامَهم على مناوئيهم في الرأي أو السلوك، الأمر الذي يجعلهم لا يستشعرون أي غضاضة إذا ما اقتضى الأمر، لهذا السببِ التافه أو ذاك، أن يُصارَ إلى التخلُّصِ منهم. فالتبريراتُ دائماً جاهزة والمسوغاتُ حاضرةٌ على الدوام ومتوفرة. ولذلك أيضاً أمرَنا اللهُ تعالى بألا نحذوَ حذوَ هؤلاء المتطرفين، حتى لا نفعلَ كما يفعلون فنجزمَ بأنَّ فلاناً من الناس ليس أهلاً لأن ينالَ منا عفواً وصفحاً لأنه لا يتغير أبداً من هذا الجانب من طيف الفعلِ البشري إلى ذاك. ولذلك أيضاً أنبأنا اللهُ تعالى في قرآنِه العظيم، وفي مواضعَ منه كثيرة، أنَّ الحكمَ له وحدَه، وأنَّه لم يُشرك بهذا الحكمِ أحداً، وأنه قد أجَّلَ حكمَه النهائي على عبادِه إلى يومِ القيامة:
• (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) (17 الحج).
• (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُون) (25 السجدة).
• (وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) (من 124 النحل).
فإذا كان صحيحاً أننا كلنا جميعاً نشترك في أحكامنا المتسرعة على بعضِنا البعض، وفي تأبيدِ هذه الأحكام والجزمِ بأنها لا تستحق منا عناء أي مراجعة، فإنه من الصحيحِ أيضاً أنَّ مَن كان يريد منا ألا يبقى أسيرَ هواه، وعبداً يأتمر بأمر نفسِه، فإن بمقدورِه على الدوام أن يمتثلَ لما يأمر به الله من وجوبِ أن يتخلى عن هذه النزعة الأصيلة الملازمة لوجودِنا الإنساني، فلا يعود بمقدورِ أنفسِنا بعدها أن تُزيِّنَ لنا الاستمرارَ في التمسُّكِ بأحكامِنا الظالمةِ هذه.
