
من أكثر ما يلفت النظر في الحياة اليومية أنَّ العلاقات الإنسانية لا تنهار غالباً بسبب الأذى المباشر، بل بسبب التفسير. فكثير من الصداقات تتفكك، والعلاقات الأسرية تتوتر، والنقاشات الفكرية تتحول إلى خصومات، لا لأن أحداً ارتكب فعلاً فادحاً، بل لأن أحد الطرفين افترض معنى لم يُقصد، أو نية لم توجد، أو دلالة لم تُرَد. هنا يظهر سوء الظن لا كحالة نفسية عارضة، بل كآلية تفسير جاهزة تعمل تلقائياً قبل أن يتدخل العقل الواعي.
وبالمثل، حين تتضح الحقيقة لاحقاً، لا ينتهي الأمر. فالإنسان لا يكتفي بالخطأ في الفهم، بل يتمسك به. وحتى بعد انكشاف الوقائع، فإنه يظل قادراً على إعادة تأويلها بطريقة تحفظ اعتقاده الأول. هنا يظهر العناد لا بوصفه انفعالاً أخلاقياً مذموماً فقط، بل كبنية دفاع معرفية تقاوم أي محاولة لإصلاح التصور.
إننا إذاً أمام ظاهرتين متلازمتين؛ فسوء الظن يصنع تفسيراً والعناد يحرسه. وهذا التلازم يكاد يكون قانوناً يومياً في التجربة الإنسانية، يتكرر عبر الأزمنة والثقافات والبيئات الاجتماعية، مما يثير سؤالاً أساسياً: هل نحن أمام مشكلة نفسية يمكن علاجها، أم أمام “خاصية بنيوية” في الإنسان؟
والآن، لماذا ليس هنالك ما يماثل هذه الظاهرة في عالم الحيوان؟ الحيوان قد يهاجم أو يخاف أو ينسحب، لكنه لا يبني سردية داخلية عن “قصد خفي” وراء فعل بريء من فرد من نوعه. فالذئب لا يفسر نظرة ذئب آخر بأنها إهانة رمزية، والطائر لا يقضي أياماً يعيد تأويل تغريدة طائر مجاور. إن ما يميز الإنسان هو أنه لا يعيش في العالم “مباشرة”، بل يعيش “تأويله” للعالم. فهو لا يرى الحدث فقط، بل يرى معناه، ثم معنى المعنى، ثم احتمال المقصد وراء المعنى. ومن هنا، يصبح سوء الظن نتيجة طبيعية: عندما يتحول الإدراك من استقبال الوقائع إلى بناء فرضيات حولها.
ولكن، كيف يمكننا أن نتخلص من سوء الظن والعناد؟ يعتبر التفسير الأخلاقي الشائع سوء الظن والعناد رذيلتين يمكن تهذيبهما بالتربية أو العلاج النفسي. غير أن الوقائع اليومية تكشف شيئاً أعمق يتمثل في أنه حتى أكثر الناس تهذيباً ووعياً يقع فيهما، بل قد يقع فيهما باسم العقلانية نفسها. فالإنسان لا يسيء الظن لأنه شرير دائماً، بل لأنه مضطر معرفياً إلى سدّ فجوات الواقع بالافتراض. والواقع، بطبيعته ناقص المعطيات. فنحن لا نعرف نيات الآخرين مباشرة ولا نرى إلا جزءاً من الحدث كما أن هنالك مدة من الزمان تفصل بين الحدث ونتيجته واللغة تنقل أقل مما يُقصد. لذلك يملأ العقل الفراغ. وما يملأ به الفراغ ليس الحقيقة، بل الاحتمال الأكثر انسجاماً مع نموذجه الداخلي. وهنا يولد سوء الظن. أما العناد فيولد لاحقاً، لأن التراجع لا يعني فقط تصحيح فكرة، بل يعني انهيار النموذج الذي بُنيت عليه تفسيرات كثيرة. فيقاوم العقل التصحيح حفاظاً على تماسك عالمه الداخلي.
ويحق لنا الآن أن نتساءل عن العلة من وراء عدم تمكن العلاج النفسي من أن يجعل بوسع الإنسان أن يتطهر من العناد وسوء الظن؟ تكمن الإجابة في كون المقاربات النفسية تفترض أن المشكلة انفعال زائد أو تجربة مؤلمة أو آلية دفاع مرضية، ولكنها تصطدم بحقيقة كون الظاهرة عامة وثابتة وعابرة للثقافات والعصور. فالعناد وسوء الظن ظاهرتان متعاليتان على العرق والجنس والمستوى الاجتماعي والاقتصادي، وبذلك فهما لا يمثلان “اضطراباً نفسياً”، ولكن كلاً منهما هو في حقيقة الأمر جانب أصيل من جوانب الوعي البشري وسمة أساسية للهوية البشرية.
صحيحٌ أن العلاج النفسي يستطيع تهدئة القلق وتحسين التواصل وتعديل بعض الأنماط السلوكية، ولكنه لا يستطيع إزالة الحاجة البنيوية لدى الإنسان إلى
- تفسير ما لا يُرى
- حماية ما تم تفسيره اعتماداً على سوء الظن
وعلة ذلك أن العلاج الشامل للعناد وسوء الظن يعني إزالة القدرة على بناء عالم رمزي في المقام الأول.
وفقاً للمقاربة الميتابايولوجية، لا يمثل الإنسان استمراراً “طبيعياً” للحيوان، بل يمثل انعطافة خرج فيها الكائن من الاستجابة المباشرة للواقع إلى العيش داخل “تمثلاته”. فمنذ تلك اللحظة لم يعد الإدراك مجرد استقبال للمثيرات، بل أصبح بناء نماذج عن العالم. وهنا ظهر الثمن في أن النموذج يمنح الفهم لكنه يفرض الشك، والشك يولد سوء الظن، وحماية النموذج تولد العناد. إذاً نحن لا نعاني من “عيب أخلاقي طارئ”، بل من “أثر جانبي” من آثار الانعطافة التطورية الأولى تتمثل في قدرتنا على التفكير الرمزي.
وهنا لابد من أن نسأل: لماذا لا يُعالج هذا إلا بشيء من جنسه؟ إذا كان منشأ الظاهرة إدراكياً تمثلياً، فلا يمكن علاجها بإصلاح المشاعر فحسب. فالإنسان لا يحتاج إلى تهدئة قلبه بقدر ما يحتاج إلى تعديل علاقته بتمثلاته. أي أنه لا يحتاج إلى إلغاء النماذج الذهنية، بل إلى الوعي بحدودها. وبعبارة أخرى أن الذي أخرج الإنسان من الطبيعة كان “نظاماً معرفياً”، ولذلك لا يعيده إلى توازنه إلا “نظام معرفي أعلى”. فليس المطلوب إزالة سوء الظن والعناد، فهذا مستحيل بنيوياً، بل تحويلهما من آلية لاواعية تحكمنا إلى ظاهرة ندركها ونحن نمارسها. وحينها، وحينها فقط، يتحول سوء الظن والعناد من “قدرٍ خفي” إلى “أداة مراقبة ذاتية”.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن أسوأ ما في سوء الظن والعناد أنهما لا يُشعران صاحبهما بأنهما يمثلان أي مشكلة، بل يمنحانه شعوراً زائفاً بالوضوح واليقين. لذلك استمرا في التاريخ الإنساني بقدر استمرار اللغة والمعنى والثقافة نفسها. فَهُما ليسا مرضين، بل ظلَّين لـ “قدرة عظيمة” فيه. ولذلك فإن محاولة استئصال كلٍ منهما بالعلاج النفسي تشبه محاولة إيقاف التفكير كي يتخلص من أخطائه! إن الأجدى ليس أن نحارب “البنية”، بل أن نعيها؛ فالإنسان لم يخرج من الطبيعة بلا ثمن، وكلٌ من سوء الظن والعناد أحد تجليات ذلك الثمن.
