
يحسب البعض أنَّ الإنسانَ يُولَد كاملاً مكملاً لا ينقصه شيء، وذلك على قدرِ تعلُّقِ الأمر بالطيبة والصلاح وحسن الخُلُق، وأنَّ التنشأةَ داخلَ البيت وخارجَه إما أن تُبقي على هذه الصفاتِ الحميدة، وإما أن تجعلَه يكتسب صفاتٍ على النقيضِ منها. وهذه رؤيةٌ يغلبُ عليها حكمٌ مسبق مفاده أنَّ الإنسانَ يولَد “صفحةً بيضاء” Tabula Rasa؛ فهي لا تستند إلى أي معطىً تجريبي، ولا يدعمُها أيُّ سلوكٍ خبراتي، ولذلك فلا موجب هنالك لاعتمادِها أساساً تُبنى عليه أي تصوراتٍ عن حقيقةِ الإنسان. فواقعُ الحال يُنبئ بخلافِ ذلك، إذ أنَّ السوادَ الأعظم من البشر يُظهِرون من الأحوالِ والأفعالِ والأقوال ما لا ينسجم مع هذه “الصفحة البيضاء”، ولا مع أي شيء ذي صلة بالتربية والتنشأة.
وهذا يُعيدُنا لا محالة إلى “نقطةِ البداية” لعلَّنا نتبيَّن في ماضي الإنسان ما يُعينُنا على فهمِ حقيقتِه بعيداً عن أي مبالغات قوامها تمجيد الإنسان بصفتِه كائناً كاملاً. فإن نحن أخذنا بالمقاربةِ الدينية، فهل يُعقَل أن يُخرَجَ أبوانا من الجنة ولا ينعكس ذلك علينا سلباً وبما يوجب ألا نكونَ أهلاً لأن نتصفَ بالخُلُق الكامل؟ فلو كان قد بقيَ لنا من هذا الخُلق شيء، لما أُخرِجنا من الجنة. وإن نحن أخذنا بوجهة النظر التطورية، فإننا منتهون لا محالة إلى النتيجةِ عينِها. فالإنسان، وفي مرحلةٍ ما من مسيرتِه التطورية، فقد القدرةَ على مواصلةِ السير وفقاً لما تقضي به قوانينُ الطبيعة؛ حيث أنه اضطُرَّ إلى اتخاذِ مسارٍ آخر أملته عليه انعطافةٌ تطوريةٌ كبرى لم يعد بعدها يتصرف وفقاً لذاتِ القوانين التي يمتثل لها الكائنُ البايولوجي السوي.
