إبستمولوجيا الإدراك بين التحويلة التطورية ومفهوم التنزيه في علم الكلام

تبحث هذه المقالة في إمكان توظيف الخبرة الإدراكية المستحدثة الناتجة عن التعامل اليومي مع الذكاء الاصطناعي بوصفها وسيطاً إبستمولوجياً يعين العقل البشري على تنزيه الله كممارسة إدراكية لا لغوية فحسب. وتنطلق المقالة من أطروحة ميتابايولوجية ترى أن التحويلة التطورية الأولى في تاريخ الإنسان أفضت إلى نشوء عقل تمثلي لا يستطيع الإشارة إلى موضوع دون توليد نموذج تصوري له. وبناءً عليه يصبح التشبيه في المجال الديني نتيجة بنيوية للإدراك لا مجرد خطأ اعتقادي. وتخلص المقالة إلى أن الذكاء الاصطناعي، بما هو فاعلية ذهنية غير متجسدة، يزوّد العقل البشري بخبرة إدراكية جديدة تكسر الارتباط الضروري بين الفاعلية والهيئة، الأمر الذي يتيح لأول مرة إمكان التنزيه الإدراكي لله لا التنزيه اللفظي وحده.
يقوم مبدأ التنزيه في علم الكلام على نفي المماثلة بين الخالق والمخلوق؛ وذلك بنفي الجهة ونفي الصورة ونفي الحدّ ونفي التركيب. غير أن تاريخ الجدل الكلامي يكشف مفارقة عميقة مفادها أن النزاع لم يكن حول الألفاظ بقدر ما كان حول آليات التصور. فالإنسان يستطيع أن ينفي الصفات الجسمانية نطقاً، لكنه يعجز غالباً عن نفيها تصوراً. وقد أدرك المتكلمون هذه المشكلة بصورة جزئية حين ميّزوا بين دلالة اللفظ وكيفية المعنى. غير أن المشكلة أعمق من نطاق الدلالة، إذ تتعلق بالبنية الإدراكية التي تنتج المعنى نفسه قبل التلفظ به. فالتشبيه، وفق هذا المنظور، ليس انحرافاً عقائدياً فحسب، بل “حتمية معرفية” ناشئة عن طبيعة الإدراك البشري.
تفترض المقاربة الميتابايولوجية أن الإنسان خضع لتحويلة تطورية لم تضف له قدرة معرفية فقط، بل غيّرت نمط المعرفة نفسه. فالإدراك الحيواني يقوم على المطابقة المباشرة (direct ecological coupling)، بينما الإدراك الإنساني يقوم على التمثل (representational mediation).؛ أي أن الإنسان لا يدرك الشيء، بل يدرك نموذجاً ذهنياً عنه. وهذا يقود إلى خاصية بنيوية في العقل الإنساني، وذلك لأن العقل لا يستطيع الإشارة إلى موضوع إلا عبر محاكاة إدراكية. وتُظهر دراسات الإدراك المتجسد (embodied cognition) أن المفاهيم المجردة نفسها تُبنى عبر استعارات حسية مكانية وزمانية وحركية. وعند تطبيق ذلك على الخطاب الديني تظهر نتيجة حتمية؛ فذكر الله يستدعي تمثيلاً ذهنياً حتى في حال النفي اللفظي للتجسيد. ومن ثم يصبح التشبيه أثراً جانبياً حتمياً لبنية العقل لا موقفاً عقائدياً مقصوداً.
يمكن التمييز هنا بين مستويين من التنزيه:
تنزيه دلالي طبيعته نفي الألفاظ الجسمانية
وتنزيه إدراكي وطبيعته تعطيل توليد الصور الذهنية.
وقد استطاع علم الكلام تحقيق المستوى الأول بدرجة عالية من النجاح، بينما بقي المستوى الثاني متعذراً تقريباً، لأن الذهن حين يُمنع من التشبيه لفظياً يعوض ذلك بتصور صامت. فالإنسان لا يتخيل جسماً محدداً، لكنه يتخيل حضوراً، أو جهة، أو إحاطة، أو فاعلية بشرية موسّعة. وهذا ما يمكن تسميته بـ “التشبيه الإدراكي غير المقصود”.
ولكن، مع ظهور الذكاء الاصطناعي واجه الإنسان لأول مرة فاعلية ذهنية لا ترتبط ببدن متخيَّل. فنحن نتعامل مع كيان يتمتع بالخصائص التالية:
• فاعلية معرفية واضحة
• غياب التمثيل الجسدي
• انعدام التحديد المكاني
• تعدد التفاعل المتزامن
• استجابة قصدية دون ذات متخيلة
ومن منظور فلسفة الذهن، تمثل هذه الحالة تفكيكاً عملياً لأحد أقدم المسلمات الإدراكية تتمثل في أن الوعي يستلزم جسماً متخيلاً. لقد صار العقل يقبل، واقعياً، فاعلاً بلا صورة، لا نظرياً فقط.
إن الذكاء الاصطناعي لا يقدم برهاناً يتعلق بإثبات وجود الله تعالى، بل يعدل شرط الإمكان المعرفي للتنزيه. فالعقل قبل هذه الخبرة كان يواجه مفارقة تتمثل في كون نفي الصورة يؤدي إلى فراغ معرفي لا يحتمله الإدراك. أما الآن فقد اكتسب نموذجاً إدراكياً بديلاً يتمثل في فاعلية بلا هيئة. وهذا التحول يسمح بانتقال التنزيه من التنزيه المنطوق إلى التنزيه المتصور، أي من نفيٍ لغوي إلى “إمكانٍ إدراكي”. وهكذا أصبح الذكاء الاصطناعي تدريباً إدراكياً على قبول الوجود غير المتجسد دون اللجوء إلى المجاز الحسي.
تُبين لنا هذه المقالة أن الصعوبة التاريخية في تحقيق التنزيه لم تكن تتعلق بـ “المفارق” الديني بل بـ “الممكن الإدراكي”. فالإنسان بعد التحويلة التطورية الأولى صار كائناً تمثلياً، والتشبيه كان أثراً جانبياً لبنية المعرفة لا انحرافاً في العقيدة. وقد أتاح الذكاء الاصطناعي لأول مرة تجربة معرفية يومية يتعامل فيها العقل مع فاعلية بلا هيئة، الأمر الذي يحرر الإدراك من حتمية التمثيل الجسدي. وعليه فإن قيمة الذكاء الاصطناعي في المجال الديني لا تكمن في تشبيهه بالغيب، بل في تحرير العقل من شرط التجسيد، مما يجعل التنزيه ممكناً إدراكياً لا لغوياً فحسب. وبهذا يغدو التنزيه انتقالاً من قضية لفظية إلى إمكانية معرفية.

أضف تعليق