
إذا كان الإنسان هو الكائن الحي الوحيد الذي لا يرضى بمصيره البايولوجي، فإن ذلك يجعله في خط تصادم مباشر مع البايولوجيا التطورية التي تقوم على أساس من أن الكائن الحي هو نتاج تاريخ طويل من الانتخاب الطبيعي؛ وظائفه الأساسية: النمو والبلوغ والتناسل، هي ليست اختيارات، بل أحداث مبرمجة داخل بنيته. فالبلوغ تحديداً ليس مجرد مرحلة عمرية، بل نقطة انتقال فيزيولوجي حاسمة تتمثل في لحظة دخول الكائن في شبكة الاستمرار الحيوي للنوع. ومع ذلك، يظهر الإنسان كحالة استثنائية داخل هذا النظام. فهو الكائن الوحيد الذي لا يكتفي بتعديل سلوكه داخل الطبيعة، بل يسعى إلى إيقاف العمليات التي صُمم بالاستناد إليها. ومن أبرز الأمثلة المعاصرة على ذلك: استخدام الأدوية المثبِّطة للبلوغ.
بدايةً، لابد من تبين هذا الذي تفعله هذه المثبطات في بايولوجيا الجسم البشري.
طبياً، تعمل هذه الأدوية (GnRH agonists) على تعطيل الإشارات الهرمونية بين الدماغ والغدد التناسلية، مما يؤدي إلى إيقاف تطور الصفات الجنسية الثانوية وتعليق النضج التناسلي وإبقاء الجسم في حالة ما قبل البلوغ. أي أننا لا نُبطئ النمو، بل نُجمِّد الزمن البايولوجي نفسه. وهنا تظهر المفارقة الكبرى، فالإنسان قد أصبح الكائن الوحيد القادر على تعطيل المرحلة التي خُلقت الكائنات الحية كلها للوصول إليها. ففي عالم الحيوان، لا يوجد كائن يرفض بلوغه أو يطلب تأجيله أو يملك آلية ثقافية تسمح له بذلك. فالبلوغ في عالم الطبيعة حدث لا تفاوض عليه. أما في عالم الإنسان فقد أصبح موضوع قرار.
في الكائنات الحية الأخرى تكون الهوية محددة بالجسم، أما عند الإنسان فلقد انعكست المعادلة. فالجسم لم يعد يعرِّف الهوية، بل الهوية صارت تطالب بتعديل الجسم. وهذه ليست مجرد مسألة طبية، بل انقلاب إبستمولوجي تمثل في انتقال المرجع من الطبيعة إلى الوعي الذاتي الفردي. فالطفل، في بعض السياقات الحديثة، لم يعد ينتظر أن يخبره جسمه بما هو عليه، بل أصبح يُطلب من الطب أن يعيد تشكيل جسمه وفق تصوره هو لذاته. وهنا تظهر نقطة فلسفية عميقة مفادها أن الطبيعة لا تعرف “الرأي”، لكنها تعرف “الوظيفة”.
وهنا، قد يتساءل البعض إن كان في الطبيعة شيءٌ مماثل؟ لا توجد في الطبيعة حالات يمكن مقارنتها مباشرة بهذه الظاهرة. صحيحٌ أن هنالك تغيّرات جنسية في بعض الكائنات أو تمايزات سلوكية بين الجنسين، لكنها كلها تحدث تلقائياً لغاية تكاثرية وبقرار بايولوجي غير واعٍ. أما الحالة الإنسانية، فمختلفة جذرياً؛ إذ نحن أمام كائن يستعمل الوعي لرفض مسار تكويني كامل. وهذا ما يجعل الظاهرة ليست ” “طبية” فقط، بل “أنثروبولوجية”.
وهنالك أيضاً مفارقة داروينية تكمن في كون الإنسان الغربي اليوم يعلن إيمانه بأن كل خصائصه هي نتاج التطور الطبيعي، ولكنه في الوقت نفسه يقوم بإنشاء مؤسسات كاملة تهدف إلى تعطيل مسار النضج الطبيعي وإعادة تعريف الهوية الجنسية وفصل هذه الهوية عن البنية البايولوجية. وهنا يظهر سؤالٌ فلسفي مفاده “كيف يكون الإنسان استمراراً للطبيعة وهو الكائن الوحيد الذي يبني أنظمة كاملة لمقاومتها؟”.
هناك أيضاً إشكالية أخلاقية بالإمكان تلخيصها كما يلي: ففي عالم الحيوان، لا توجد مشكلة موافقة (consent)، لأن الطبيعة هي الفاعل. أما في عالم الإنسان، فالمسألة تنتقل إلى سؤال جديد “من يملك سلطة تقرير المسار البايولوجي؟”، الجسم؟ أم المجتمع؟ أم الأطباء؟ أم وعي الفرد، حتى لو كان طفلاً؟ وهنا يتحول الطب من علاج مرض إلى إدارة مسار حياة.
يتبين لنا، وبتدبر كل ما تقدم، أن مثبطات البلوغ تكشف عن حقيقة أعمق من النقاش الطبي تتمثل في أن الإنسان ليس مجرد كائن داخل الطبيعة، بل كائن “يتفاوض” معها. فالحيوان يتكيف مع شروط الوجود، أما الإنسان فيعمل على إعادة تعريفها. ولذلك فهذه الظاهرة ليست انحرافاً عرضياً في مسيرة الحضارة، بل علامة على خاصية إنسانية أعمق وهي أن الإنسان هو الكائن الذي لا يكتفي بأن يكون ما هو عليه بايولوجياً. فإذا كانت الطبيعة تنتج الكائن الحي، فإن الإنسان هو الكائن الذي يعمل على صياغة شروط إنتاجه بنفسه.
