1947… العام الذي أعاد صياغة الواقع والخيال

إذا أردنا تحديد اللحظة التي وُلد فيها عالمنا المعاصر بكل تعقيداته السياسية والتقنية وحتى الغامضة منها، فلا بد أن نقف عند عام 1947؛ فهو العام الذي لم يكتفِ بتغيير الحاضر، بل مدّ خيوطه في الزمان ليحكم ملامح القرن الحادي والعشرين.
ففي يوليو 1947، وُلدت وكالة المخابرات المركزية لتكون ذراع أمريكا الطويلة في “لعبة الأمم”. فعلى إثرها تحول العالم إلى ساحة للعمليات السرية والانقلابات “الناعمة”. من إزاحة حكومات إلى تنصيب أخرى، أرست الوكالة قواعد “الدولة العميقة” التي لا تزال تُدير الكثير من خيوط السياسة الدولية من خلف الستار حتى يومنا هذا.
وفي السابع من أبريل/نيسان من العام نفسه 1947، عُقد المؤتمر التأسيسي لـ حزب البعث العربي الاشتراكي في دمشق. وقد مثّل هذا الحدث ولادة مشروع سياسي حكم دولتين محوريتين هما سوريا والعراق لعقود. فالحروب والتحالفات والتحولات الجذرية التي شهدها المشرق العربي هي نتاج مباشر لهذا الفكر الذي صاغ حاضر المنطقة ومستقبلها لسنوات طويلة.
وفي صيف العام نفسه 1947، وقعت حادثة تحطم جسم طائر غامض في روزويل بنيومكسيكو في الولايات المتحدة الأمريكية، وهي اللحظة التي غيرت علاقة الإنسان بالسماء. وعلى إثرها أصبحت روزويل الشرارة لظهور هوس شعبي عالمي بالأطباق الطائرة والكائنات الفضائية. امتزجت الحقيقة بالخرافة، والعلم بالبارانويا، ونشأت ثقافة “الظواهر الجوية المجهولة” (UAP) التي لا تزال تشغل الحكومات والشعوب حتى يومنا هذا، كمعلم بارز من معالم التشكيك في الروايات الرسمية.
وفي شهر أغسطس من العام 1947 ،قامت قوات الاحتلال البريطاني بتقسيم دولة الهند المحتلة الى دولتين هما الهند وباكستان. ومنذ ذلك العام، أخذت الدولتان تعملان بكل ما بوسعهما على ترسيخ وتعزيز وتكريس هذا الانفصال الذي تمخضت عنه حروب لايزال جمر نارها مستعراً تحت رماد سلام هش حتى يومنا هذا
وفي نوفمبر من ذات العام 1947، صدر عن الأمم المتحدة القرار 181 القاضي بتقسيم فلسطين؛ القرار الذي لا تزال تبعاته تشكل الصراع المركزي في الشرق الأوسط.
وفي شهر ديسمبر عام 1947، اخترع العلماء في “مختبرات بيل” الترانزستور. وهو “الخلية الأولى” لكل جهاز إلكتروني نستخدمه الآن. وبالمناسبة، وتجدر الإشارة هنا الى أن هذا الترانزستور كان هو الأداة التي مكنت وكالة المخابرات الامريكية من تطوير أجهزة التجسس، ومكنت الأنظمة من إيصال دعايتها عبر الراديو، وربما ساعدت لاحقاً في أبحاث الفضاء التي بدأت تلاحق أشباح “روزويل”.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن عام 1947 كان العام الذي اجتمع فيه العلم (الترانزستور) مع السياسة (البعث والمخابرات المركزية)، والواقع (التقسيم) مع الخيال (روزويل). فنحن نعيش في عالم صممه مهندسو ذلك العام، سواء كانوا سياسيين في واشنطن ودمشق، أو علماء في المختبرات، أو حتى مزارعين في صحراء نيومكسيكو ادعوا رؤية طبق طائر.

أضف تعليق