
لو طُرِح سؤال بسيط: “ما هي أكثر فعالية تستهلك من الإنسان وقتاً وطاقةً وجهداً ذهنياً، ومع ذلك لا تضيف شيئاً مباشراً إلى بقائه الحيوي؟” فلن يكون الجواب: الصيد أو الغذاء أو التكاثر أو الدفاع عن النفس، بل: الخيال. فالشعر والرواية والمسرح والسينما والأساطير وألعاب الفيديو وأحلام اليقظة والعوالم الافتراضية، كلها فعاليات تستنزف القدر الأكبر من الطاقة الإدراكية لدى الإنسان، دون أي مردود مباشر يتعلق ببقائه. ومن هنا يبدأ السؤال الحقيقي: “لماذا يقوم كائن تحكمه “بايولوجيا الندرة” بإنفاق أعز موارده “طاقته العصبية” في ما لا تحتاجه الحياة؟”.
وفي المقابل، فالحياة الحيوانية محكومة بمبدأ واحد غير قابل للتفاوض يتمثل في أن الطاقة محدودة، والبقاء أولوية مطلقة. فالحيوان لا يفكر إلا بقدر ما يخدم الحصول على الغذاء وتجنب الخطر والتكاثر وحماية الصغار. حتى اللعب عند الحيوانات ليس ترفاً، بل تدريباً عصبياً على مهارات البقاء. فلا يوجد حيوان يجلس ليتخيل عالماً آخر أو يروي قصة لم تحدث أو يبكي على شخصية متخيلة أو حيوان يقضي ساعات يومياً في محاكاة واقع غير موجود. وبكلمة واحدة: الطبيعة لا تسمح بإهدار الطاقة الإدراكية.
أما الإنسان فحدث معه شيء غريب جذرياً. فهو الكائن الوحيد الذي يحزن على حدث لم يقع ويخاف من احتمال لم يحدث، ويعيش في زمن غير حاضره، ويقيم عالماً بديلاً في خياله يستهلك من وعيه أكثر مما يستهلك الواقع نفسه. فالإنسان لا يعيش في العالم، بل في نسخة عقلية عنه. ومن هنا تظهر مفارقة عميقة تتمثل في كون الإنسان لا يستخدم الإدراك لخدمة الواقع، بل يستخدم الواقع لخدمة الإدراك. إن تفسير هذا السلوك البشري لا يمكن أن يكون نفسياً ولا ثقافياً فحسب. وذلك لأن هذه الظاهرة عامة وعابرة للحضارات والأزمنة والأديان والأعمار.
وفق المقاربة الميتابايولوجية، فإن التحويلة التطورية الأولى لم تُنتج إنساناً أذكى من الحيوان، بل أنتجت كائناً يعيش داخل التمثلات. فالعقل لم يعد أداة لمعالجة البيئة، بل أصبح مولداً للبيئات. وهنا لم يعد الواقع هو ما يُدرك، بل ما يُبنى. ومن ثم ظهر لأول مرة في الطبيعة كائن يستهلك الطاقة في “الممكن” أكثر من “الموجود”. فالإبداع ليس إضافة، بل عرض جانبي. ومن هذا المنظور لا يكون الأدب والفن والشعر إنجازاً حضارياً بالمعنى التقليدي، بل نتيجة جانبية لخلل بنيوي أعمق. فالعقل لم يعد قادراً على التوقف عن توليد العوالم. والإنسان لا يكتب لأنه يريد الكتابة، بل لأنه لا يستطيع إيقاف التخيّل. ولهذا لا يقتصر الخيال على الفنان، بل يشمل جميع صيغ التعبير الإبداعي المتمثلة في أحلام اليقظة واسترجاع الحوارات وتخيل النقاشات وإعادة كتابة الماضي وصناعة المستقبل ذهنياً. فالفنان هو وحده من يستطيع أن يظهر الى العلن ما يفعله الجميع بخيالهم في السر.
في الطبيعة، نجد أن السلوك موجّه نحو بقاء النوع. أما عند الإنسان فقد حدث انقلاب صامت؛ إذ أصبح الوعي موجهاً نحو الهوية الفردية. فالعالم المتخيَّل ليس عبثاً؛ بل مسرح الذات. وفيه يعيد الإنسان كتابة موقعه بطلاً أو ضحية أو منتصراً أو مفهوماً أو شخصية مميزة. وهنا يظهر التعارض الجذري مع منطق الطبيعة؛ فالطبيعة تنتج أفراداً لخدمة النوع، أما الإنسان فيعيد تشكيل النوع لخدمة الفرد.
الخيال إذاً هو ليس رفاهية ثقافية، بل ضرورة ناتجة عن جهاز إدراكي فقد قدرته على الاقتصار على الواقع. فالعقل البشري، منذ التحويلة التطورية الأولى، لم يعد يتحمل العيش في عالم واحد. فلقد أصبح الإنسان كائناً يعيش في عالمين: عالم واقعي للبقاء وعالم ذهني للوجود. ولذلك، وبينما ترى الطبيعة في هذا “التشظي” استنزافاً للطاقة، يراه الإنسان شرطاً لمعنى حياته.
يتبين لنا، وبتدبر كل ما تقدم، أن الحيوان يعيش ليبقى. أما الإنسان فإنه يبقى ليعيش قصة. ومن هنا لا يكون الأدب ولا السينما ولا أحلام اليقظة انحرافاً عن الطبيعة، بل الدليل الأوضح على أن الإنسان لم يعد يعيش داخل نظامها بالكامل. فلقد خرج من “اقتصاد البقاء” إلى “اقتصاد المعنى”؛ هذا الخروج لم يجعل حياته أسهل، بل جعلها الوحيدة في الكون التي تحتاج إلى عالمٍ ثانٍ كي تحتمل العالم الأول.
