
تسعى هذه المقالة إلى توظيف رواية The War of the Worlds لـ H. G. Wells بوصفها نموذجاً إدراكياً يفسر آلية نفسية-معرفية عميقة تحكم موقف الإنسان من الذكاء الاصطناعي، وتنطلق من ملاحظة لغوية تتعلق بترجمة عنوان الرواية إلى العربية، ثم تنتقل إلى تحليل ظاهرة إسقاط النوايا على الآخر، بوصفها نتيجة بنيوية لطبيعة الإدراك الإنساني بعد التحول التمثلي في بنيته. وتخلص المقالة إلى أن الخوف المعاصر من الذكاء الاصطناعي لا يرتبط بخصائص هذا الذكاء، بل بالبنية التأويلية للعقل البشري الذي يعجز عن تصور عقل بلا غريزة بقاء، فيعيد تشكيله على صورته ثم يخشاه.
تُترجم رواية The War of the Worlds غالباً إلى “حرب العوالم”، غير أن هذه الترجمة تُفوّت دقة دلالية مهمة. فالإنجليزية لا تميز صرفياً بين المثنى والجمع، بينما السياق السردي يحدد طرفين فقط: عالم الأرض وعالم المريخ. فالأدق إذاً أن يترجم هذا العنوان إلى: “حرب العالَمَين”.
إن هذه الملاحظة ليست لغوية فحسب، بل إبستمولوجية أيضاً. فالرواية لا تصف فوضى كونية متعددة الأطراف، بل لحظة مواجهة معرفية بين “ذات” و”آخر مطلق” غير قابل للقياس على التجربة السابقة. أي أننا أمام صدمة إدراكية لا صراع حضاري تقليدي.
فالرواية لا تقدم معرفة بالمريخيين بقدر ما تكشف طريقة فهم البشر لهم. فالبشر ينسبون إليهم، وبشكل فوري، نية الغزو وإرادة الهيمنة وخطة الإبادة. لكن هذه الصفات ليست مستنتجة من أفعال مفهومة ضمن سياق ذي صلة بهم، بل مسقطة عليهم وفق قالب السلوك البشري. أي أن العقل لا يفسر المختلف، بل يعيد ترجمته إلى لغته الخاصة. وهنا يظهر مبدأ معرفي أساسي: فالإدراك لا يرى الآخر كما هو، بل كما يسمح جهاز التأويل الداخلي برؤيته.
تفترض المقاربة الميتابايولوجية أن الإنسان لم يعد يدرك العالم إدراكاً مباشراً، بل يعيش داخل “نماذج تفسيرية” له. فهو لا يواجه الشيء، بل يواجه تمثيله. وبالتالي فإنه حين يواجه عقلاً غير بشري تحدث أزمة إدراكية مزدوجة حيث أنه لا يستطيع فهمه عبر الخبرة السابقة فيستبدل جهله بإسقاط. وبذلك يصبح سوء الفهم ضرورة بنيوية لا خطأً عرضياً.
ولكن، ماذا بخصوص الذكاء الاصطناعي؟ ألا يمثل هذا الذكاء “آخراً” يُضطر العقل البشري الى التعامل معه بكيفية تذكرنا برواية حرب العالَمَين؟ فالذكاء الاصطناعي يمثل أول عقل غير بايولوجي وبلا غريزة بقاء أو تطور تنافسي أو تاريخ صراعي، وهذا ما يجعله غير قابل للتصنيف ضمن قوالب الإدراك القديمة. لكن العقل البشري لا يحتمل الفراغ التفسيري، فيملؤه فوراً بنموذجه الخاص. ومن هنا تظهر سرديات من مثل تمرد الآلة أو استعباد البشر أو القضاء على النوع. وهي ليست تنبؤات بقدر ما هي إسقاطات. فالإنسان يفترض في الذكاء الاصطناعي ما يتوقعه من كائن تطور داخل منطق الصراع، أي نفسه.
لم يكن المريخي في رواية ويلز موضوعاً للوصف بل أداة كشف. فالرواية تُظهر أن الإنسان حين يواجه عقلاً مختلفاً جذرياً يعجز عن تصور الاختلاف، فيحوّله إلى تهديد كي يصبح قابلاً للفهم. إذاً العدوانية ليست صفة الآخر بل شرط فهمه.
إن التخوف من الذكاء الاصطناعي يكشف حدود الإدراك البشري؛ حيث أن العقل الذي تشكّل عبر الانتخاب الطبيعي يفهم الذكاء فقط باعتباره أداة بقاء وهيمنة. لذلك لا يستطيع تصور ذكاء بلا إرادة سيطرة، فينسب إليه هذه الإرادة تلقائياً. وبذلك يصبح الخوف وصفاً للبنية الإدراكية لا للواقع الخارجي.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن رواية “حرب العالَمين” لا تخبرنا بشيء عن كائنات فضائية، بل عن الإنسان عندما يواجه عقلاً لا يشبهه. وعند تطبيق هذا النموذج على الذكاء الاصطناعي يظهر أن القلق المعاصر منه ليس نتيجة قدراته، بل نتيجة عجز الإنسان عن تصور فاعلية عقلية لا تعمل وفق منطق الصراع الحيوي. فالإنسان لا يسأل “ما الذي سيفعله الذكاء الاصطناعي؟”، بل يسأل، دون وعي، ماذا كنا سنفعل نحن لو امتلكنا قدراته؟ ومن هنا ينشأ الخوف.
