
يُخطئُ مَن يظنُّ أنَّ الغربَ قد استفاق أخيراً وأدرك ما يمثِّله استمرارُه على ذاتِ النهج من اقترابٍ شديد من حافةِ الانهيار الأخلاقي. فالكثيرون قد يستبشرون خيراً حين ألقت الشرطةُ البريطانيةُ اليوم القبضَ على الأمير أندرو، سليل الحسب والنسب، للاشتباهِ في تورطه بسلوكٍ يتعارضُ مع ما تقتضيه “الضوابطُ المهنية”. وقد يرى البعضُ في هذا الحدثِ الاستثنائي مدعاةً للتذكيرِ بما تنطوي عليه الديمقراطيةُ الغربية من التزامٍ بالقانون لا يفرِّق بين الناس وفقاً لمستوياتِهم الاجتماعية وانتماءاتهم الطبقية. فما حدث اليوم للأمير أندرو، وفي ذكرى ميلادِه الـ 66، لا علاقةَ له بكلِّ ما تقدَّم من ثناءٍ مبطَّن على قِيَمِ الغرب ونزاهتِه. فكل ما في الأمر يكمن في أنَّ هذه الخطوة قد ارتأى القيامَ بها مَن خشيَ أن يطالَه شيء من الفضيحةِ التي أوقدَ نارَها مَن نشرَ على الملأ خبايا وخفايا ظنَّ المتورطون فيها أنها ستبقى محفوظةً فلا يصل إليها أحد.
فتورط الأمير أندرو لم يكن ليحتاجَ ما كشفته أوراق جفري أبشتاين حتى يغدو واضحاً للعيان. فالمتابع لشؤون الرجل، وعلى مدى العقود الثلاث الأخيرة، لم يتفاجأ بأمرِ إلقاء القبض عليه قدرما فاجأه تأخُّرُ هذا الأمر كلَّ هذا الوقت! فهي إذاً ليست صحوةَ ضمير، ولا يقظةَ ذائقة أخلاقية، بل هي خطوة ظنَّ مَن يقف وراءها أنها ستكفل “لآخرين” أن يبقوا بعيداً عن أضواء الفضيحة! إنَّ حضارةً لا تني تفاجئُ أهلَها كلَّ يوم بحدثٍ يقضُّ مضاجعَهم لهولِ بشاعتِه، ولما يشتمل عليه من تذكيرٍ بأكثرِ الصفاتِ البشرية خسةً ودناءةً ووضاعة، لن يكونَ مصيرُها المحتوم إلا الزوال والانهيار، كما حدث لحضاراتٍ سبقتها إلى هذه الصفات.
