هل سنعرفُ يوماً الإنسانَ على حقيقتِه؟

يريدنا العِلم أن نصدِّقَ زعمَه بأنه قادرٌ على أن يُعينَنا على أن نعرفَ الإنسان على حقيقتِه! وهذا زعمٌ يفنِّدُه عجزُ نظرياتِ العِلم عن التعليلِ للظاهرةِ الإنسانية ولِما تنطوي عليه مما هو ذو صلةٍ بماضيه التطوري وبمسيرةِ نشوئه وارتقائه. فالعِلمُ، وبإصرارِه على أن يستبعدَ كلَّ ما يأبى أن ينضويَ تحت لوائه، سيبقى مضطراً إلى القبولِ بـ “تعايشٍ سِلمي” مع عددٍ، لا يكفُّ عن الازديادِ يوماً بعد آخر، من “المجاهيل” التي لا يجدُ غضاضةً في الإقرارِ بضرورةِ وجودِها طالما تمت صياغتُها بكيفيةٍ غير ميتافيزيقية.
فكيف يريدُنا العِلم أن نصدِّقَ روايتَه عن الماضي التطوري للإنسان وقد افترض سلفاً أن هذا الماضي لا يمكن على الإطلاق أن يشتملَ على ما قام بتصنيفِه بأنه “غيرُ عِلمي”؟! ومن أين جاءت العِلمَ كلَّ هذه الثقة المطلقة بأن ليس هناك في الوجود من ظواهر لها منطقُها الخاصُّ بها، والذي لا يتماهي مع “المنطق العِلمي” الذي افترض، هكذا ومن دون أيِّ دليلٍ موضوعي، أنَّ الكونَ خاضعٌ له بالضرورة؟! فما يدرينا، فلعل الكونَ فيه من هذه الظواهر “ذات المنطق الخاص” ما كان له دورٌ في تشكُّلِ وتخلُّقِ ماضينا التطوري، على النحو الذي أصبحنا بموجبه هذه الكائنات التي تفترض أنَّ المنطقَ العِلمي الذي اهتدت إليه، وقامت بصياغتِه، وعززته بمعادلاتٍ رياضيةٍ محكَمة، لابد وأن يكون هو المنطق ذاته الذي يعمل الكونُ وفقاً له!
إنَّ العِلمَ الذي صاغته عقلياتٌ كهذه لن يستطيعَ يوماً، وهو على هذا الحال من الكبرياء الزائف، أن يسبرَ أغوارَ الظاهرةِ الإنسانية، فيصلَ إلى جذورِها الأولية التي لن نستطيعَ أن نفسِّرَ “الحالَ البشري” The human condition إلا من بعد أن نتبيَّنَ التفاصيلَ الكامنةَ من وراء عجزِنا عن أن نكونَ أبناءَ بارين بأمنا الطبيعة فلا نخرجَ على قوانينِها، ولا نتعدى حدودَها، كما نفعل صباح مساء. وسيبقى الإنسانُ لغزاً مستعصياً على الفهم طالما تشبَّثنا بما يريدُنا العِلمُ أن نستمسكَ به بكلِّ ما جُبِلنا عليه من قوة من تصوراتِه وافتراضاتِه بأنَّ “المنطقَ العِلمي” الذي قام بصياغتِه، معتمداً عل نزرٍ يسيرٍ من ظواهرِ الوجود، هو المنطقُ الحاكمُ لكلِّ ما يحدث في هذا الوجود!

أضف تعليق